شهر السعى إلى المساجد
مكانة المساجد فى الإسلام عظيمة، يقول الحق سبحانه: «إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين» (التوبة: 18)، لذا كان أول ما بدأ به النبى (صلى الله عليه وسلم) عندما هاجر من مكة إلى المدينة هو تأسيس المسجد، وقد أسهم صلى الله عليه وسلم فى بنائه بنفسه، فعن عائشة (رضى الله عنها) قالت: «قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حين بركت به راحلته: هذا- إن شاء الله- المنزل، ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الغلامين- أى صاحبى المكان- فساومهما بالمربد ليتخذه مسجداً، فقالا: لا، بل نهبه لك يا رسول الله، فأبى رسول الله أن يقبله منهما هبة حتى ابتاعه منهما..»(صحيح البخارى).
وقد وصف الله تعالى عباده المؤمنين الذين يسعون إلى المساجد بالرجال فقال سبحانه: «فى بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يومًا تتقلب فيه القلوب والأبصار* ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب» (النور: 36- 38).
وفى ثواب السعى إلى المساجد يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم): «من غدا إلى المسجد أو راح، أعد الله له فى الجنة نزلًا كلما غدا أو راح» (متفق عليه)، وهو من أكثر الأعمال التى يمحو الله بها الخطايا ويرفع بها الدرجات يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم): «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟» قالوا: بلى يا رسول الله! قال: «إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط» (صحيح مسلم).
وعمارة المساجد تكون مبنى ومعنى، مبنى: ببنائها، ونظافتها، وطهارتها، والاهتمام بها، ففى الصحيحين أن النبى (صلى الله عليه وسلم) قال: «من بنى مسجداً يبتغى به وجه الله بنى الله له مثله فى الجنة» (متفق عليه)، وعن أبى هريرة (رضى الله عنه): «أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد (أو شابا) ففقدها رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فسأل عنها (أو عنه) فقالوا: مات قال: أفلا كنتم آذنتمونى قال: فكأنهم صغروا أمرها فقال: دلونى على قبرها، فدلوه، فصلى عليها ثم قال: إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها وإن الله (عز وجل) ينورها لهم بصلاتى عليهم»(صحيح مسلم).
ومعنى: بالذكر، والصلاة، وقراءة القرآن، ومدارسة العلم، حيث يقول نبينا (صلى الله عليه وسلم): «ما اجتمع قوم فى بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده» (صحيح مسلم)، وعن عقبة بن عامر (رضى الله عنه) قال: خرج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ونحن فى الصفة، فقال: «أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان، أو إلى العقيق، فيأتى منه بناقتين كوماوين فى غير إثم، ولا قطع رحم؟»، فقلنا: يا رسول الله نحب ذلك، قال: «أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد فيعلم، أو يقرأ آيتين من كتاب الله (عز وجل)، خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع، ومن أعدادهن من الإبل»(صحيح مسلم).
ولا شك فى أن رمضان هو شهر السعى إلى المساجد والإقبال عليها: صلاة وقياماً وتهجداً وذكراً واعتكافاً وتلاوة لكتاب الله عز وجل ومدارسة للعلم، فيا باغى الخير أقبل.
الأستاذ بجامعة الأزهر