التحدي الحقيقي هو التوازن بين “الرحمة العاجلة” و”الحل الجذري”
في كل مرة يُثار فيها النقاش حول برنامج تكافل وكرامة، ينقسم الرأي العام بين من يراه واجبا ً إنسانيا ً لا غنى عنه، ومن يعتبر أن موازنته كان يمكن أن تُوجَّه بالكامل إلى الاستثمار في الإنتاج الزراعي وخفض الأسعار.
لكن المفاضلة بين الخيارين ليست دقيقة.
الدعم النقدي يمثل “الرحمة العاجلة” ؛ فهو يحمي الأسر الأشد احتياجا ً من السقوط تحت خط العوز، ويوفر حدا ً أدنى من الاستقرار في مواجهة موجات التضخم، وإلغاؤه فجأة أو تقليصه قبل وجود بديل فعّال قد يحمل كلفة اجتماعية قاسية.
في المقابل، فإن الاكتفاء بالتحويلات النقدية دون توسيع قاعدة الإنتاج يعني بقاء المشكلة قائمة، فالأسعار تنخفض حين يزيد المعروض، لا حين تزيد السيولة فقط، والأمن الغذائي يتحقق عبر الأرض والمياه وسلاسل الإمداد لا عبر الكروت والمحافظ الإلكترونية.
مصر بالفعل اتجهت إلى التوسع الزراعي عبر مشروعات كبرى مثل مشروع الدلتا الجديدة ومشروع توشكى وهي مسارات ضرورية لتعزيز الإنتاج المحلي، لكن عائد هذه المشروعات يحتاج وقتا ً حتى ينعكس على الأسواق.
وهنا تبرز المعادلة الدقيقة:
لا يجوز استبدال “الرحمة” بالتنمية، ولا تأجيل “الحل الجذري” بحجة الإغاثة المؤقتة
الصياغة الأدق ليست “تحويل القادرين” بمعنى سحب الدعم،
بل “ربط الدعم بمسارات تمكين إنتاجي مدروسة”.
أي أن يظل الدعم قائما ً للفئات غير القادرة تماما ً، ككبار السن، وذو الإعاقة، والأسر بلا عائل.
أما القادرون على العمل، فيُتاح لهم مسار انتقال تدريجي اختياري ومنظم نحو المشاركة في الإنتاج، من خلال:
• الاندماج في مشروعات زراعية تعاقدية.
• برامج تدريب وتشغيل مرتبطة باحتياجات فعلية للسوق.
• مشروعات صغيرة مدعومة بضمان تسويق لا مجرد قروض.
• تعاونيات إنتاجية تقلل المخاطر الفردية.
الفكرة ليست تحويل مستفيد إلى مقترض، ولا تحميل الفقير عبء المخاطرة، بل فتح باب من يريد العمل إلى فرصة إنتاج حقيقية داخل منظومة مضمونة.
الدعم يجب أن يكون “جسر عبور” لا “نقطة وصول دائمة - لكن دون قسر أو تعسف.
الدولة التي تكتفي بالرحمة تُطيل أمد الأزمة، والدولة التي تتجاهل الرحمة باسم التنمية تُخاطر بتماسكها الاجتماعي.
التحدي الحقيقي إذن هو التوازن بين “الرحمة العاجلة” و”الحل الجذري” ؛
أن نحمي المحتاج اليوم، ونبني اقتصادا ً غدا ً لا يحتاج فيه أحد إلى حماية.