بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

مُبِين

وزيرة الثقافة بين الإدانة والغفران

فى الخامس من يونيو 2013، دخلتُ وزارة الثقافة لمتابعة اعتصام المثقفين فى مكتب الوزير آنذاك الدكتور علاء عبد العزيز. والذى استمر حتى أواخر الشهرملتحمًا مع ثورة 30 يونيو من ذات العام، كنت شاهدة على يوميات تجلّت فيها قوة الثقافة المصرية وهى تدافع عن وجودها بوضوح وإصرار.
كنت أرافق الكاتبة الكبيرة نعمة عز الدين فى تغطية الاعتصام، وأراقب النقاشات التى لم أكن طرفًا فيها. والتى لم تكن صاخبة بقدر ما كانت مؤثرة. لكن أكثر ما بقى فى وجدانى منها؛ صورة الكاتبة فتحية العسال؛ تنام على أريكة صغيرة داخل مكتب الوزير فى الزمالك. كان المشهد رسالة صارمة تقول:» إن الثقافة حين تشعر بالقلق على قيمها، تبقى فى موقعها ولا تنسحب». لم تكن المعركة آنذاك مع أشخاص، بقدر ما كانت حماية مبدأ أن تبقى الثقافة مستقلة، بعيدة عن التوجيه أوالتوظيف أوالإقصاء. تعاقب وقتها على الاعتصام مثقفون وفنانون شكلوا طيفًا واسعًا من المشهد الثقافى، أتذكرمنهم بهاء طاهر وصنع الله إبراهيم وسعد القرش وأحمد نوار ويوسف شعبان.
واليوم؛ وبعد أكثر من عقد ومع تولّى الدكتورة جيهان زكى حقيبة وزارة الثقافة تعود الأسئلة بصورة جديدة، لكنها لا تقل حساسية. فلا يمكن لأحد مهتم بالشأن الثقافى، أو حتى غير مهتم، تجاهل الحكم القضائى الصادر بحق الوزيرة فى يوليو 2025 بشأن قضية ملكية فكرية تخص الكاتبة سهير عبد الحميد فى حكم استئنافى بإدانتها، لا يزال الطعن عليه منظورًا أمام محكمة النقض.
والسؤال المباشر الآن؛ ماذا ستفعل الدولة إذا أدانت محكمة النقض الوزيرة؟ هل ستعتبر الأمر مجرد واقعة قانونية عابرة، أم ستعترف بأن هناك خللًا فى معايير الاختيار يستوجب المراجعة والاعتذار.
ثم يُطرح تساؤل آخر، لا يحمل اتهامًا بقدر ما يحمل قلقًا مشروعًا؛ كيف صعد هذا الاختيار إلى قمة الهرم الثقافى؟ إن كانت الدائرة التى رشحت الوزيرة لهذا المنصب لم تكن على علم بواقعة يعرفها قطاع واسع من الوسط الثقافى، فذلك خلل جسيم فى آليات الفحص الذى من المفترض أن يسبق الاختيار. وإن كانت تعلم وتتجاوز فالمشكلة هنا أكبر.
أكتب هذه السطور وأنا على يقينٍ راسخ بأن العدالة فى مصر كانت وستظل حصنًا منيعًا، وأن القضاء المصرى، هو ميزانٌ لا يميل إلا للحق. وإن القوى التى قد تمكنت من توجيه بعض المناصب الوزارية، لا تملك أن تمتد بيدها إلى منصة القضاء، ومن ثمّ فإننا ننتظر حكم النقض فى هدوءٍ وثقة، إيمانًا بأن كلمة القضاء هى الفيصل الأخير.
الثقافة المصرية لم تكن يومًا صوت تهديد، بل صوت ضمير، لذلك يبقى الخيار الأهدأ فى رأيى؛ أن نمنح الوزيرة الفرصة والغفران إذا انتفت إدانتها بحكم محكمة النقض، مع الثقة بأن قوة مصر الناعمة قادرة دائمًا على تصحيح مسارها، فالثقافة التى تؤمن بالشفافية تؤمن أيضًا بإمكانية التعلم والمراجعة، ومنح الفرص المقرونة بالمسئولية.