مراجعات
جمهورية الكاميرا!
قبل عقود، لم يكن متوقَّعًا أن يتحول الهاتف المحمول من أداة اتصال «بريئة» إلى «هيئة ضبط وإحضار»، تعمل على مدار الساعة، لرصد الهفوات، واقتناص الزلَّات، وصناعة محتوى سريع الاشتعال!
الآن، أصبح «الخطأ» بمثابة «المادة الخام» للعرض والتأويل، ولم يعد تفصيلة إنسانية عابرة.. زلَّة لسان، مشادَّة في شارع جانبي، موقفًا مرتبكًا في طابور، كلها تتحول بضغطة زِر إلى فضيحة، و«حدث جماهيري» قابل للتداول والمشاركة والتفاعل!
لقد أصبحنا نعيش فيما يمكن تسميته بـ«جمهورية الكاميرا».. حدودها شاشة الهاتف، ودستورها «التريند»، وقوانينها عدد المشاهدات، ومواطنيها جمهور افتراضي واسع، مجهول الهوية، حاضر الذهن، متربص، سريع الحكم!
لعل الأكثر إثارة أن طريقة نظرتنا إلى الأحداث تغيَّرت، وأصبحنا نعيش في حالة تأهب دائم للتصوير.. الجميع مرشحون للظهور في مشهدٍ غير متوقع، لتتحول «كاميرا الموبايل» إلى أداة تحرش اجتماعي، وبدلًا من أن تُعزز بناء ثقافة المساءلة الناضجة، نجدها تُؤسس لنوعٍ جديدٍ من الفضول الجمعي، الذي يتصدره الخطأ، فيما تتوارى الحقيقة.. فقط يكفي أن تكون الهفوات «قابلة للانتشار»!
إذن، اختفى التسامح، وصار الكثيرون يتعاملون مع الزَلَّات الصغيرة كما لو كانت كوارث كونية.. شخصًا يتعثر في الرصيف فيتحول إلى مادة ساخرة، وآخر يرفع صوته فيصبح «تريند»، وثالثًا يخطئ في تعبير أو لفظة، فيُحاكَم أخلاقيًّا، لنعيش في محكمة شعبية رقمية، تنعقد بلا انقطاع، تُصدر أحكامها في دقائق، وتُنَفَّذ «على الفور» عبر الإعجابات والمشاركات أو التعليقات اللاذعة!
ربما يكشف هذا السلوك عن نزعة أعمق من مجرد التسلية أو الفضول.. الجميع يُراقب الجميع، والكل تحت المراقبة، لنتحول من مجتمع يُلام على سرعة النسيان، إلى مجتمع يعاني من ذاكرة إلكترونية لا ترحم.. كل شيء محفوظ في الأرشيف الرقمي، قابل للاستدعاء عند الحاجة!
إن ما نعيشه الآن أصبح يتجاوز حدود اللامعقول، إلى ما يشبه الهَوَس الجمعي، حيث الجميع يُطارد «التريند»، ويخشى أن يفوته قطار المشاهدات، والكل يتسابق ليكون أول من يصوِّر، أو يُعيد النشر، أو يُضيف تعليقًا لاذعًا يضمن له نصيبًا من الأضواء الرقمية!
ويبقى السؤال: هل نحن أمام ظاهرةٍ عفوية، أم نمطٍ اجتماعيٍّ يتغذى على الإلهاء الدائم، وهل تحولت «كاميرا الموبايل» إلى وسيلةٍ للهروب من قسوة الحياة، أم أداة لتفريغ الاحتقان؟
ورغم تباين الإجابات، لكن الواقع يشير إلى أن المجتمع بات يعيش حالة استنفارٍ مستمرة، حيث يتنقل من «تريندٍ» إلى آخر، ومن قضيةٍ إلى غيرها، بسرعةٍ تكاد تُفْقِد الأحداث سياقها ومدلولاتها!
أخيرًا.. لا يمكن إنكار أن «جمهورية الكاميرا» كشفت «المستور»، أو بعض «المسكوت عنه»، لتُتيح مساحاتٍ «متهورة» من التعبير والمساءلة، غير أن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية استخدام هذه السُّلطة الجديدة، ليبقى «الوعي» هو «الفلتر» الوحيد القادر على إنقاذ الحقيقة من فوضى «التريند»!
فصل الخطاب:
يقول الفنان الأمريكي «آندي وارهول»: «في المستقبل، سيحظى كل شخص بخمس عشرة دقيقة من الشُّهرة».