إيران: الرقص على الموت من أجل الحياة
ازدادت أعداد القتلى الإيرانيين مع تصاعد الاحتجاجات منذ ديسمبر الماضي، ، وبينما قدرتها الإحصاءات الإيرانية بقرابة أربعة آلاف قتيل، تقدرها الإحصاءات الغربية بعشرة أضعاف هذا العدد، وهو ما يعكس زيادة عدد القتلى على حسب كلا التقديرين، ومن ثم فقد امتلأ الإنترنت بمقاطع فيديو للجنائز والعزاء، وهي طقوس حزينة عادة ما تصاحب توديع الراحلين، ولكن الغريب في الكثير من هذه المقاطع هو ما استحدث فيها من الموسيقى والغناء والرقص، وبل والزغاريد في البعض الآخر، وهو ما يعكس تغيراً كبيراً في مراسم الحداد، ويحمل في طياته العديد من الرسائل السياسية.
بالرغم أن الرقص قديمٌ في إيران، كما يظهر في القطع الفخارية المكتشفة في المواقع الأثرية، وكذلك صور الراقصين في منحوتات لرستان وغيرها، ورغم كون الرقص ضمن مراسم العزاء بين بعض الأقوام الموجودة في إيران مثل اللور والأكراد؛ الذين يؤدون رقصة تشامري المخصصة للعظماء والأبطال والمحاربين من كل قبيلة، وأداؤها غير مألوف ومستهجن للعامة؛ وفيها يقوم المعزون بالرقص في صفوف منتظمة، متشابكي الأيدي، عكس اتجاه عقارب الساعة على أنغام الآلات الموسيقية والطبول، وهناك أيضاً رقصة يزلي التي تؤدى دون موسيقى بين عرب خوزستان، وكذلك دور الموسيقى والإنشاد في مراسم عاشوراء لدى الشيعة. لكن طقوس الرقص والغناء في الاحتجاجات الأخيرة تحمل في طياتها رسائل سياسية مهمة تتمحور حول الصمود وعدم قبول الانكسار، حيث لجأ أهالي القتلى إلى الفرح الرمزي، والرقص، والغناء، والتصفيق، وحتى إقامة احتفالات شبيهة بحفلات الزفاف، بدلاً من الحداد التقليدي القائم على البكاء والحداد الكلاسيكي، وبینما یراه البعض ضرباً من الجنون لعِظم الفَقد، يراه البعض رسالة اعتراض تحمل في طياتها رسائل مهمة على النحو التالي:
1- رفض الهزيمة وعدم الاستسلام:
إن رقص الأم على قبر فقيدها ليس مجرد رد فعل عاطفي، لكنه فعل سياسي واجتماعي وثقافي وفردي بالغ التأثير، يحمل رسائل متعددة إلى المجتمع والسلطة حول رفض الهزيمة وعدم الاستسلام؛ فالرقص هنا هو تعبير عن الغضب، احتجاجًا على من دمروا حياة طفلها، غضبٌ مكتوم تحت الرماد، ينتظر الوقت المناسب لتشتعل جذوته.
2- رفض الحزن المفروض:
تحول الحداد إلى احتجاج ومقاومة سياسية، تعبر عائلات الضحايا من خلاله عن عدم الاستسلام وقبول الهزيمة والنهاية بموت فقيدهم، والرقص والفرح في مثل هذه الظروف هو نوع من رفض الحزن، واستبدال مظاهره بمظاهر البهجة والفرح. والتمسك بالأهداف المبهجة التي خرج من أجلها المحتجون، والحداد هنا ليس إنكاراً للموت، بل إنكارٌ للحزن المفروض؛ حيث تقول الأمهات إن الحزن موجود، لكننا نحاول غرس الحياة والفرح.
3- استعادة الفرح:
استعادة الفرح من النظام الذي قيّده؛ فطوال الوقت كان هناك قيود على مظاهر الفرح العلني، والرقص، والموسيقى المبهجة، وحتى بعض الطقوس التقليدية في الأماكن العامة، في مقابل ثقافة الحداد التي سيطرت على البلاد، والرقص على قبور الموتى هو استعادة رمزية للحياة والفرح اللذين سُلِبا من الناس إلى جانب جانب ما تحمله من غضبٍ جماعي.
4- صرخة الجسد:
من منظور نفسي، يُمكن اعتبار سلوك الاحتفال هذا آلية دفاعية ضد الحزن الذي لا يُطاق، والذي يمكن أن نطلق عليه صرخة الجسد، فالرقص والفرح يكونا أحياناً رد فعلٍ على الحزن العميق الشديد، فيما يُشبه نوعًا من الضحك العصبي في المصاب الثقيل، فحينما يعجز الصراخ والبكاء عن الانطلاق تعبيراً عن الحزن، فإن الجسد يتحرك ليخرج هذه الطاقة الكبيرة من الألم القهري، ويشبه ذلك ما يقوم به بعض لاعبي الرياضات العنيفة، الذين أحياناً ما يخرجون حزنهم الشديد في التدريب أو القتا العنيف، حينما لا يكونوا قادرين على البكاء والصراخ.
5- الرقص كمقاومة:
بحسب عالم الاجتماعي الإيراني شاكربيجي، فإنه يمكن اعتبار الرقص والتصفيق والفرح الرمزي عند قبور ضحايا الاحتجاجات بمثابة إعادة تعريف للموت في سياق الاحتجاج والمقاومة، حيث يتحول الموت من الهزيمة والانكسار إلى نضال، وحياة مستدامة، ورمز لانتصار الإرادة الجماعية، بل وحتى نفي للموت السياسي. وتتمثل أبعاد هذه الإعادة في اعتبار الموت بدايةً للنضال، للتمسك بالحب والحرية في مواجهة الموت المفروض؛ حيث لم يعد الموت يعني الصمت والخضوع. فعندما يُفارق المرء الحياة قبل أن يُكمل مسيرته، وتُقضى على طموحاته وتطوره، يصبح الحداد أيضاً فعلاً احتجاجياً.
6- الشهادة:
يهدف تغيير سلوكيات الحداد لدى الشعب الإيراني إلى إيصال رسالة مفادها أن الموت ليس النهاية، بل هو نقطة انطلاق جديدة، ويتصل هذا البعد بمفهوم الشهادة المتأصل في الثقافة الرسمية الإيرانية؛ ويتصل بالخضوع للأمر الإلهي وبحياة الشهداء التي لا تنتهي بالموت، ولكنها تبدأ بداية أخرى. وهكذا يتخذ المفهوم الجديد للحداد أبعاداً سياسية أوسع، مفادها تتعلق في معظمها بعدم قبول الموت كنهاية للقصة وخفوت للنار الراكدة تحت الرماد، ولكنها تنتظر الفرصة المواتية، التي ربما تندلع خلالها إذا سنحت.
أستاذ دراسات إيران وآسيا الوسطى
كلية الآداب- جامعة عين شمس