م الآخر
تحية ل المركزى
من الآخر، تحية تقدير إلى البنك المركزى المصرى وقيادته ممثلة فى المحافظ حسن عبدالله، ونائبيه رامى أبوالنجا وطارق الخولى، وجميع قيادات البنك والقطاع المصرفى.
فخلال ثلاث سنوات فقط، نجحت السياسة النقدية فى نقل الاقتصاد المصرى من مرحلة اضطراب حاد فى سوق الصرف إلى حالة من الاستقرار النسبى المدعوم بأرقام واضحة ومؤشرات تعكس تحسناً تدريجياً فى الأداء الكلى.
منذ بداية 2020 واجه الاقتصاد أزمة كبيرة بسبب «جائحة كورونا»، وقبل أن نخرج من الأزمة واجهة الاقتصاد أزمة أخرى بسبب الحرب الروسية الأوكرانية فى 24 فبراير 2022 ونتج عن ذلك أزمة عملة طاحنة، واتسعت الفجوة بين السعر الرسمى والموازى، ووصلت المضاربة إلى أكثر من 70 جنيها للدولار، وارتفعت معدلات التضخم إلى ما يتجاوز 36%، ما انعكس سلباً على ثقة المستثمرين وأدى إلى تجميد أو تأجيل صفقات استثمارية مهمة. وتعرض الاحتياطى النقدى لضغوط حادة.
التحول الجوهرى جاء مع الاجتماع الاستثنائى للجنة السياسة النقدية فى 6 مارس 2024، عندما قرر البنك المركزى رفع أسعار الفائدة بمقدار 600 نقطة أساس دفعة واحدة، فى خطوة وصفت آنذاك بأنها حاسمة لإعادة الانضباط إلى سوق الصرف وكبح جماح التضخم. وبشكل تراكمى، ارتفعت أسعار الفائدة بنحو 1900 نقطة أساس منذ عام 2022، فى إطار سياسة تقييد نقدى واضحة استهدفت امتصاص السيولة والحد من الضغوط السعرية.
وفى أبريل 2025 بدأ مسار التيسير النقدى، مع أول خفض للفائدة بمقدار 225 نقطة أساس فى اجتماع 17 أبريل، ليصل إجمالى الخفض حتى الآن إلى نحو 825 نقطة أساس، بما يعكس ثقة نسبية فى تحسن مؤشرات التضخم واستقرار سوق الصرف.
فى بيان مارس 2024، أقر البنك المركزى صراحة بأن الاقتصاد المحلى تأثر بنقص الموارد من العملات الأجنبية، ما أدى إلى ظهور سوق موازية وتباطؤ فى النمو. لكن الأهم من الاعتراف كان الالتزام بالحل، من خلال التحول إلى إطار مرن لاستهداف التضخم، والسماح لسعر الصرف بأن يتحدد وفق آليات السوق، مع العمل على توحيد سعر الصرف والقضاء على الفجوة بين السوقين الرسمى والموازى.
وقد كان هذا التوحيد خطوة مفصلية فى إنهاء تراكم الطلب على النقد الأجنبى وإعادة تدفقات العملة الصعبة إلى القنوات الرسمية.
واليوم، ماذا تقول الأرقام؟
وفقاً لبيانات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، تراجع معدل التضخم العام للحضر إلى 11.9% فى يناير 2026 مقابل 12.3% فى ديسمبر 2025 على أساس سنوى، بينما انخفض التضخم الأساسى إلى 11.2% مقابل 11.8%. وعلى مستوى المتوسط السنوى، بلغ متوسط التضخم العام والأساسى خلال عام 2025 نحو 14.1% و12.1% على الترتيب، مقارنة بـ 28.3% و27.2% فى عام 2024، ما يعكس هبوطاً حاداً فى وتيرة الضغوط السعرية.
ويستهدف البنك المركزى الوصول بمعدل التضخم إلى 7% (±2%) بحلول الربع الرابع من عام 2026، وهو هدف طموح لكنه بات أكثر واقعية فى ضوء المسار النزولى الحالى.
على صعيد الاحتياطات، يقترب صافى احتياطى النقد الأجنبى من 53 مليار دولار، وهو مستوى يعزز قدرة الدولة على مواجهة الصدمات الخارجية. كما ارتفعت الودائع غير المدرجة ضمن الاحتياطات الرسمية إلى نحو 13.7 مليار دولار، فيما تحول صافى الأصول الأجنبية لدى البنوك من مستويات سالبة إلى فائض يقترب من 26 مليار دولار، بما يعكس تحسناً واضحاً فى مركز السيولة الدولارية داخل الجهاز المصرفى.
أما على مستوى موارد النقد الأجنبى، فقد ارتفعت تحويلات المصريين بالخارج بنحو 13% منذ بداية العام، وسجلت 3.6 مليار دولار فى نوفمبر. كما زادت إيرادات قناة السويس بنحو 18% على أساس سنوى لتصل إلى 365 مليون دولار فى يناير 2026، وحقق قطاع السياحة رقماً قياسياً فى 2025، فى حين تقلص عجز الحساب الجارى بنحو 45% على أساس سنوى ليبلغ 3.24 مليار دولار فى الربع الأول من العام المالى 2025-2026.
ويتوقع البنك المركزى تسجيل معدل نمو اقتصادى يبلغ 5.1% خلال العام المالى الحالى، مقارنة بـ 4.4% فى العام السابق، ما يعكس تعافى النشاط الاقتصادى تدريجياً.
كذلك تحسنت قيمة الجنيه المصرى بنحو 8% على أساس سنوى، فى إشارة إلى عودة التوازن النسبى بين العرض والطلب على العملة الأجنبية، مع توقعات بمزيد من الاستقرار خلال عام 2026.
تأتى هذه المؤشرات الإيجابية رغم استمرار حالة عدم اليقين عالمياً، سواء بسبب التوترات الجيوسياسية، تداعيات الحرب فى أوكرانيا، التطورات فى غزة، والصراعات الإقليمية، فضلاً عن تقلبات السياسات التجارية العالمية. ومع ذلك، نجحت السياسة النقدية المصرية فى بناء قدر من المناعة أمام الصدمات الخارجية.
غير أن هذا النجاح لا يعنى الاكتفاء بما تحقق. فالتحدى الحقيقى يتمثل فى تحويل التحسن الظرفى إلى مسار مستدام، عبر تعميق الإنتاج المحلى، وزيادة الصادرات، وجذب استثمارات مباشرة طويلة الأجل، وتوليد موارد دولارية مستقرة لا تتأثر سريعاً بتقلبات المشهد العالمى.
الخلاصة أن ما تحقق حتى الآن يعكس إدارة نقدية أكثر انضباطاً وواقعية، لكن الحفاظ على المكتسبات يتطلب استمرار التنسيق بين السياسات النقدية والمالية والإصلاحات الهيكلية. الطريق لم ينتهِ بعد، لكنه أصبح أكثر وضوحاً.
الدكتور محمد عادل