حين يعلو الصوت.. ويغيب المعنى
مع كل موسم رمضانى، يتجدد مشهد ارتفاع مكبرات الصوت فى بعض المساجد، ويزداد استخدام مؤثرات الصدى حتى تتداخل الخطب والتلاوات بين مسجد وآخر. والمقصد قد يكون تعظيم الشعيرة وإحياء الأجواء الإيمانية. لكن النتيجة أحياناً تكون عكس ذلك؛ كلمات متداخلة غير مفهومة، وتشويش سمعى يفقد الرسالة أثرها.
المفارقة أن الوضوح فى الخطاب الدينى ليس ترفاً تقنياً، بل جوهر الرسالة نفسها. فالكلمة حين لا تسمع بصفاء، لا تؤدى معناها مهما ارتفع مستواها. التقنية هنا ينبغى أن تخدم المعنى، لا أن تزاحمه.
فى مساحة أخرى من المشهد العام، تتصاعد نبرة الجدل حول ما يسمى “أزمة التعليق الرياضي”. أصوات مرتفعة، حماسة متواصلة بلا مساحات صمت، وجمل إنشائية تتكدس فوق تفاصيل اللعب حتى تختنق اللقطة بين الصرخة والعبارة. المعلق، الذى يفترض أن يكون جسراً بين المشاهد والملعب، يتحول أحياناً إلى بطل موازٍ يطغى حضوره على الحدث نفسه.
ولم يعد الأمر مقتصراً على ارتفاع الصوت، بل امتد إلى زخرفة العبارة؛ سجع يرص رصاً، وتشبيهات تحشى حشواً، حتى صارت المباراة عند بعضهم ساحة استعراض لفظى لا ساحة منافسة رياضية. تتوالى “القطايف واللطايف”، وتتقافز المفردات طلباً للإعجاب لا للإيضاح، فيضيع الهدف بين القافية والهتاف، ويبهت الأداء تحت وطأة الأداء الكلامى.
إن التعليق فن موازنة؛ فيه من الطرب ما يكفى، ومن الطرح ما يغنى، لكنه لا يحتمل الإفراط. فحين تتحول البلاغة إلى غاية، تفقد وظيفتها. وحين يصبح السجع أهم من التمريرة، والصياغة أعلى من الصافرة، يتراجع الحدث خطوة إلى الخلف، ويتقدم الصوت خطوة إلى الأمام.
المشاهد لا يبحث عن مهرجان لغوى، بل عن قراءة واعية، ونبرة متزنة، وعبارة تصف ولا تصرف، فالإثارة الحقيقية تولد من اللحظة.. لا من المبالغة فى وصفها.
الحالتان تبدوان مختلفتين فى السياق، لكنهما تلتقيان فى جوهر واحد: الخلط بين التأثير وارتفاع الصوت. فى المسجد، يظن أن تضخيم الميكروفون يعمق الروحانية. وفى الملعب، يتصور أن الصراخ يضاعف الإثارة. بينما الحقيقة المهنية تقول إن التأثير يصنعه الاتزان، وضبط الإيقاع، ومعرفة متى يقال الكلام.. ومتى يترك للمشهد أن يتكلم.
المشكلة ليست فى الميكروفون، بل فى ثقافة استخدامه. ليست فى التقنية، بل فى تقدير المساحة السمعية للمتلقى. فالمجتمع يحتاج خطاباً واضحاً، وتعليقاً واعياً، وصوتاً يعرف حدوده.
أخيراً.. حين يرتفع الصوت أكثر مما ينبغى، يتراجع المعنى خطوة إلى الخلف. وبين الرغبة فى التأثير والخوف من الصمت، تضيع أحياناً أبسط قاعدة مهنية: ليس كل ما يمكن قوله.. يجب أن يقال بصوت أعلى.