بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

عن أغانى الحب فى الشرق والغرب

 

لا شيء يعبر عن التجربة الإنسانية المشتركة بعمق وشفافية مثل أغانى الحب. غير أن هذه اللغة الكونية، على وحدتها، تتخذ فى كل ثقافة نبرة مغايرة وصوراً مختلفة، تعكس رؤية الإنسان للحب ذاته: أهو لقاء واحتفال بالحضور، أم شوق ولوعة وحنين إلى لقاء الغائب؟

فى الأغنية الأمريكية، يتجلى الحب غالباً بوصفه تجربة مباشرة، واحتفاء واضحاً بالاتحاد بين الحبيبين. فالحب هنا فعل إرادى واختيار واعٍ، ومساحة مشتركة من الفرح والتواصل. الأغنية الغربية تميل إلى التعبير الصريح عن الامتلاء العاطفى، حيث يلتقى العاشقان ويكتملان معاً فى لحظة الحضور، كما فى أغنية «You Are the Sunshine of My Life» لستيفى وندر التى تجعل الحبيب مصدر النور والمعنى، أو فى الأداء العاطفى الجارف فى «I Will Always Love You» لويتنى هيوستن حيث يبلغ الاعتراف بالحب ذروة صفائه وامتلائه. إنها أغنية اللقاء لا الفراق، وأغنية الاتحاد لا الانتظار.

ففى كثير من الأغانى الغربية يصبح الحب طاقة إيجابية تعاش فى الحاضر، وإيقاعاً يحتفى بالحياة. إن الحبيب حضور ملموس من لحم ودم، علاقة واقعية تتأسس على المشاركة والانسجام والتكافؤ. حتى حين تتناول الأغنية الفراق، فإنها تقدمه بوصفه لحظة انتقال أو تحول، لا قدراً مأساوياً دائماً، ولا جرحاً وجودياً مفتوحاً.

أما الأغنية العربية، فهى عالم آخر تماماً. إنها، فى جوهرها، صرخة شوق إلى الحبيب الغائب، وأنين انتظار طويل، وبكاء على حضور مؤجل لا يتحقق. والحب فى الغناء العربى ليس احتفالاً باللقاء، بل مرثية للغياب، وتجربة وجودية يختلط فيها ألم الحرمان بسلوى الرجاء، كما يتجلى فى "الأطلال" لأم كلثوم حيث يتحول الحب إلى ذكرى موجعة وحنين لا ينطفئ، أو فى "قارئة الفنجان" لعبدالحليم حافظ حيث يصبح العشق قدراً مأساوياً محكوماً بالفراق قبل أن يبدأ.

الحبيبة فى الأغنية العربية كثيراً ما تكون طيفاً لا شخصاً، وصورةً متخيلة لا جسداً حاضراً. إنها ذكرى، أو حلم، أو شبح يزور العاشق فى وحدته. ولا عجب فى أن يقف العاشق العربى طويلاً عند صورة الحبيبة أكثر مما يقف عند حضورها الواقعى؛ فعبدالحليم حافظ يغنى فى «مشغول» عن اعتذاره عن عدم لقاء محبوبته لأنه مشغول بالتأمل فى صورتها! وكأن الصورة أصدق من الواقع، والطيف أبلغ من شخص المحبوبة.

وهكذا يصبح الحب العربى تجربة فناء للذات فى صورة مثالية للمحبوب. إنه حب يتغذى من المسافة، ويزدهر فى الغياب، ويجد معناه فى الانتظار ذاته. ولذلك تغدو لحظة اللقاء، إن حدثت، نهاية للأسطورة أكثر منها بداية لها.

ومع ذلك، يلتقى الشرق والغرب فى حقيقة واحدة: أن الحب، مهما اختلفت صوره، يظل التعبير الأعمق عن هشاشة الإنسان وقوته معاً.