قضية ابيستين
قبل أن تنظر إلى القذاة التي في عين أخيك، أنزع الخشبة من عينك". هكذا قال المسيح في تعاليمه، ليعلمنا درساً خالداً في التواضع والنقد الذاتي. لكن، في زمننا هذا، حين يتأمل المرء قضية جزيرة إبستين – تلك الشبكة المظلمة من الاستغلال الجنسي للقاصرات وشبكة النفوذ الفاسدة – يرى تناقضاً صارخاً في تقييمنا للقيم الأخلاقية. نندد بشراسة بالغرب "الفاسد" وثقافته التي أفرزت مثل هذه الأحداث، كأننا نستخدمها كسلاح للتفاخر بـ"تفوقنا" الأخلاقي ربما الوهمي والبعيد عن الواقع لاننا نغض الطرف عن ظواهر مشابهة في مجتمعاتنا، مثل التحرش في الشوارع، أو التحايل على القوانين لزواج القاصرات في الريف او ربط معايير الشرف والامانة فقط في اجساد النساء و هذه ليست مجرد تناقضات عابرة، بل بنية نفسية وثقافية عميقة الجذور، تكشف عن هشاشتنا أمام انفسنا .
المهتم بدراسة المجتمعات وتحولاتها وطريقة تفاعلها معا يري كيف تحولت قضية إبستين إلى مادة للشماتة والتفاخر. كاننا نصرخ لنقول : "انظروا إلى الغرب المنحل امام الشرق الاخلاقي !"، معتبرين أن حريتهم المفرطة هي السبب في مثل هذه الجرائم. لكن، في الوقت نفسه، نصمت أمام مشاكلنا الداخلية.
على سبيل المثال، ينتشر التحرش بشكل يومي في الشوارع، وغالباً ما يُبرر بـ"التقاليد" أو يُلقى اللوم على الضحية. وفي المناطق الريفية، تستمر ممارسات زواج القاصرات تحت غطاء "العادات"، مع التحايل على القوانين لتجنب العقوبات. هذه الازدواجية تجعلنا نهاجم الآخرين بينما نحمي أنفسنا بالصمت،
. ربما أحد أبرز اسباب هذة الظاهرة هو إرث الاستعمار الغربي، الذي امتد لقرون متتالية علي مجتمعات شرقية كاملة ، جاعلاً الشرق غير قادراً على التفرقة بين الحضارة الغربية الحديثة وصورة المستعمر المستبد. هذا التراكم التاريخي يولد إسقاطاً نفسياً: نجعل الغرب رمزاً للفساد الأخلاقي، كسلاح لاستعادة كرامتنا المفقودة. كأننا نقول: "انظروا، هم الفاسدون، وليس نحن". هذا الشعور المكبوت بالدونية يتحول إلى تفوق أخلاقي وهمي، فيندد البعض بأحداث إبستين لا دفاعاً عن الأخلاق بحد ذاتها، بل دفاعاً شخصياً مكسواً بكسوة اخلاقية زائفة. في على سبيل المثال، تحولت القضية إلى توظيف شعبوي، حيث يستخدمها البعض كتباهي بالاخلاق علي حساب غيرنا كما أن بعض المجتمعات تلجأ إلى ترويج فضائح الآخرين ليس لشيء سوى إلهاء أنفسها عن المشاكل المجتمعية والثقافية المتأصلة فيها. في هذا السياق، يصبح إبستين أداة للصرف عن قضايا مثل عدم المساواة الجنسية أو ضعف آليات حماية الأطفال . وإضافة إلى ذلك دعنا نتخيل ، ماذا لو كانت هذة القضية انكشقت داخل مجتمعا شرقيا لكانت الإدانة تحولت لتبرير كما كنا نري في قضايا مشابهه
فاذا اردنا لمجتمعاتنا التقدم فعلا علينا ان ننتفد قضايانا الداخلية كما ننتقد قضايا غيرنا وان نبحث عن أسباب هذه الظواهر وطريقة حلها حتي لا يصبح الجري وراء التريند وأسلوب المعاييرة الأخلاقية هي طريقتنا الوحيدة للدفاع عن انفسنا حتي نصبح مجتمعا صحيا اكثر من أي شيء اخر ..