لماذا نجحت باكستان وتعثرّت إيران نوويًا؟
بينما استطاعت باكستان خلال تسعينيات القرن الماضي أن تحقق اختراقاً نوعياً في مسار تطوير برنامجها النووي وصولاً إلى تصنيع القنبلة النووية، ما زالت إيران حتى اليوم تصارع من أجل الوصول إلى العتبة النووية دون أن تتمكن من إتمام مشروعها بشكل كامل. هذا التباين لا يعكس فقط اختلاف القدرات التقنية، بل يعكس في جوهره بيئات جيوسياسية مختلفة ومسارات تاريخية متباينة فرضت على الدولتين ظروفاً متباعدة.
في حالة باكستان، كان تطوير السلاح النووي خياراً مصيرياً في ظل سباق تسلح محتدم مع الهند، ولذلك حصل البرنامج النووي الباكستاني على دعم سياسي وعسكري مطلق، إلى جانب احتضان شعبي اعتبر أن السلاح النووي هو الضمانة الوحيدة أمام التفوق العسكري الهندي. لكن الأهم أن باكستان استفادت من شبكة عالمية غير مشروعة لتهريب التقنيات النووية، تلك الشبكة التي قادها العالم الباكستاني عبد القدير خان، والتي مكنت إسلام آباد من الوصول إلى أسرار أجهزة الطرد المركزي وتقنيات التخصيب المتقدمة بعيداً عن أعين الرقابة الدولية.
حينها تعامل المجتمع الدولي مع البرنامج الباكستاني ببراغماتية سياسية، فالغرب كان يدرك أن إيقاف باكستان بالقوة لم يكن خياراً مطروحاً في ظل حساسية المنطقة وتوازنات الحرب الباردة التي كانت تفرض على الولايات المتحدة أولوية احتواء الاتحاد السوفيتي، وليس فتح جبهة جديدة مع إسلام آباد.
في المقابل، كان المسار الإيراني منذ بداياته مختلفاً تماماً، إذ وقعت طهران تحت مجهر المجتمع الدولي منذ الخطوات الأولى. إيران دخلت ساحة تطوير البرنامج النووي وهي محاطة بشبكة كثيفة من العقوبات الاقتصادية والرقابة اللصيقة التي أدارتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية بتوجيه من الولايات المتحدة والقوى الغربية، إضافة إلى معارضة إقليمية شديدة قادتها إسرائيل ودول الخليج.
منذ انكشاف أبعاد المشروع النووي الإيراني في بدايات الألفية الجديدة، شنت أجهزة الاستخبارات الغربية والإسرائيلية حرباً مركبة ضد البرنامج، امتدت من الهجمات السيبرانية التي بلغت ذروتها باستخدام فيروس "ستاكسنت" لتدمير أجهزة الطرد المركزي، إلى عمليات اغتيال ممنهجة لعلماء الذرة الإيرانيين، إلى جانب عمليات تخريب طالت منشآت حيوية كمنشأة "نطنز" و"فوردو" و"أصفهان".
ورغم إصرار النظام الإيراني على مواصلة مشروعه النووي، إلَّا أن الأزمات الاقتصادية المتفاقمة والضغوط الاجتماعية والانقسامات السياسية أضعفت من قدرة طهران على حشد طاقة وطنية موحدة خلف المشروع كما فعلت باكستان. بينما اعتبر الباكستانيون السلاح النووي مسألة بقاء، بدا المشروع الإيراني في أعين جزء من الشعب مجرد ورقة مساومة في لعبة المصالح الإقليمية للنظام.
في النهاية، فإن نجاح باكستان وتعثرّ إيران حتى الآن ليس مجرد فارق في الكفاءة التقنية، بل هو انعكاس لبيئة سياسية وأمنية متغيرة، ومساحات مختلفة من الحرية والقدرة على المناورة، واختلاف في تعريف كل دولة لأولوياتها القومية ومصيرها الاستراتيجي على المدي الطويل.