على فكرة
حكومة جديدة بسياسات قديمة
المناخ النفسى الذى ساد الشارع المصرى فى أعقاب الإعلان عن تشكيل الحكومة الجديدة لا تخطئه عين. حالة عميقة من اللامبالاة ومصمصة الشفاة، تعجبا ودهشة، والعودة إلى ما كانت عليه الحال قبل تشكيلها. ارتياد المقاهى التى باتت مكتظة بروادها من الجنسين ومن جميع الإعمار، وصارت المعلم الرئيسى فى شوارع مصر المحروسة وحواريها وأزقتها، لإضاعة الوقت فى الثرثرة وشد أنفاس «الشيشة المعمرة» على مرمى حجر من رجل الأمن. اندلاع متكرر لمشاجرات منفلتة حامية الوطيس بين روادها، من حين لآخر لأسباب تبدو غامضة، ومشاهدة مباريات كرة القدم المحلية والدولية، وإشاعة الضوضاء، وتلويث البيئة، والاستخدام المفرط للمياه وأنوار الاضاءة المسروقة من كبائن الكهرباء العامة وأعمدة الإنارة، والتحرش بالفتيات. وتبدأ المقاهى رحلة الإزعاج منذ غروب الشمش وحتى مطلع الفجر، بعدما فشلت على مدار العمر، كل محاولات سكان العمارات المجاورة لها، أن تلزمها بوقت محدد للإغلاق، وأن تكف ضجيجها عن قاطنيها.
سألت شابا من مرتادى المقاهى المجاورة لمنزلى، كان قد طلب منى المساعدة فى الحصول على فرصة عمل، عن رأيه فى الحكومة الجديدة، فحدق فى وجهى بدهشة وقال بسخرية تخلط بين الجد والهزل: هى الحكومة اللى قبلها عملتلى إيه، عشان يبقى لى رأى فى الحكومة الجديدة، خليها على الله. الاهتمام برحيل حكومة، وتشكيل أخرى جديدة، هو من شواغل النخب الاجتماعية والسياسية والاقتصادية فقط، فالمواطن ينشغل بالتغيير، حين يشعر بأنه يخدم مصالحه فى العيش المستقر الآمن والكريم. أما فيما عدا ذلك، فلا شىء يهم.
الكل لدى المواطن سواء، طالما بقيت الأسواق منفلتة بلا ضابط أو رابط، والغلاء يرتفع بلا رقابة حكومية، توائم بينها وبين دخول الناس، وقدرتها المالية، التى تتضاءل كل يوم، وتعجز عن تلبية حاجات الأسر من السلع الأساسية، وتقود فئات اجتماعية نحو حافة الفقر بفعل ما يشبه عوامل التعرية، التى تعمل على تفتيت الصخور، وإزاحة رواسبها من على سطح الأرض، و إعادة تشكيل تضاريسها، كانت تسمى فى الماضى الطبقة الوسطى، بعدما كانت هى من حملت فى تاريخ مصر الحديث والمعاصر مشاعل النهضة وقادت الطريق نحو الإصلاح والتغيير. منذ أكثر من خمسين عاما، لم أتذكر أن مسئولا حكوميا وضع مصطلح مكافحة الفقر فى خطابه العام.
بعد سيل من التوقعات والتخمينات والشائعات، خرج التشكيل الحكومى الجديد، دون أن يعلم أحد، لماذا خرج من خرج وبقى من بقى. ولماذا ضُمت وزارات ولماذا أُعيد فصلها، فتلك هى العادة فى بلادنا، فرض ستار من السرية على كل تشكيل الحكومى، لكى ينفجر شلال الشائعات حول ما حدث وما لم يحدث، وتتداوله المقاهى، وتنقله قنوات جماعة الإخوان وغيرها باعتباره هو ما جرى. إذ إن تصديق الشائعة وترويجها أيسر وأسرع كثيرا من نشر الحقائق.
لم يعد هناك بديل للاستقرار الأمنى والاجتماعى، دون سياسة جديدة تتعلم من أخطاء سياسة قديمة روجت أن التعامل مع صندوق النقد الدولى وقروضه سيرفع قدرة الدولة على تسديد ديونها، وهو ما انتهى بزيادة الديون الخارجية وزيادة أعباء تسديدها. وأن تخفيض أعباء الديون الخارجية معضلة لن يحلها مواصلة المراهنة على رفع يد الدولة عن سياسة التنمية الانتاجية فى مجالى التصنيع والزراعة، والزعم أنه يتعارض مع حرية السوق، والاعتماد على مواردها المتغيرة من تحويلات المصريين فى الخارج ودخل قناة السويس والسياحة، واستمرار سياسة القروض، بما تنطوى عليه من قيود معروفة. فضلا عن الكف، عن التلاعب بالقوانين وبالأرقام لتأكيد نتائج مقررة سلفا، تزعم الدفاع عن المصالح العامة، والتجاهل لنصوص الدستور، التى تمنع أن تتضمن الموازنة العامة للدولة، أى نص يحمل المواطنين أعباء جديدة.
ويا دكتور مصطفى مدبولى، أنصت إلى رؤى مغايرة، واستمع قليلا لغير رجال الأعمال والقطاع الخاص، أعانك الله على مهامك الثقيلة المقبلة.