زيادة الإلزام التعليمي: ضرورة تنموية أم تكلفة بلا عائد؟
في إطار السعي إلى بناء نظام تعليمي عصري قادر على دعم التحول الاقتصادي والاجتماعي الذي تستهدفه رؤية مصر 2030، يبرز مقترح مدّ فترة الإلزام التعليمي إلى 13 عامًا بوصفه أحد الخيارات المطروحة لتعزيز رأس المال البشري. غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه في ظل هذا التوجه يتمثل في: هل تمثل الزيادة العددية في سنوات الدراسة مدخلًا حقيقيًا للإصلاح التعليمي، أم أن جوهر القضية لا يتعلق بعدد السنوات بقدر ما يتعلق بجودة ما يُقدَّم خلالها؟
فالإلزام التعليمي، في جوهره، لا يمكن اختزاله في مجرد تحديد عدد سنوات الدراسة، بل هو التزام دستوري وتنموي يهدف إلى ضمان حدٍّ أدنى من الكفايات المعرفية والمهارية لكل مواطن، بما يسهم في الحد من معدلات الأمية بأشكالها المختلفة، وزيادة الإنتاجية الاقتصادية، وتقليص الفجوات الاجتماعية، وتعزيز الترابط الوطني.
وتُطرح عدة سيناريوهات لمدّ فترة الإلزام، لكل منها مزاياه وتحدياته. من أبرز هذه السيناريوهات: إدخال مرحلة رياض الأطفال ضمن فترة الإلزام، أو ضم المرحلة الثانوية كاملة إلى التعليم الإلزامي.
فإذا كان المقصود بما يُثار حاليًا هو الخيار الأول المتعلق بإدخال مرحلة رياض الأطفال ضمن الإلزام، فإن ذلك يُعد استثمارًا استراتيجيًا ذكيًا وطويل المدى في الطفولة المبكرة، ويتسق مع أهداف تنمية رأس المال البشري في رؤية مصر 2030، كما يتوافق مع الخبرات الدولية التي تؤكد أن السنوات الأولى من التعليم هي الأكثر تأثيرًا في بناء المهارات اللغوية والعقلية لدى الطفل، وتقليل الفجوات بين الطبقات الاجتماعية، وتحسين نتائج التعلم في المراحل اللاحقة. غير أن هذا الخيار يتطلب توسعًا حقيقيًا ومدروسًا في عدد الفصول، وتأهيل أعداد كافية من المعلمات، وضمان توافر تمويل مستدام، سواء حكومي أو خاص أو متنوع المصادر.
أما إذا كان المقصود هو ضم المرحلة الثانوية كاملة ضمن فترة الإلزام، فلا شك أن هذا الخيار قد يسهم في رفع الحد الأدنى من التأهيل المعرفي، والحد من عمالة الأطفال، وتحسين مؤشر رأس المال البشري. إلا أن التحديات في هذه الحالة تصبح أكثر تعقيدًا، إذ يطرح هذا الخيار تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة البنية التحتية التعليمية الحالية على الاستيعاب، ومدى جاهزية التعليم الفني ليكون مسارًا جاذبًا وموازيًا للتعليم العام، وكذلك حول قدرة سوق العمل على استيعاب مخرجات تعليم أطول زمنًا وأكثر تنوعًا.
إن مدّ فترة الإلزام التعليمي يعني بالضرورة زيادة الإنفاق العام، وإعادة توزيع الموارد، والعمل على تقليل الفاقد التعليمي. وإذا لم تُصاحب هذه الخطوة إصلاحات هيكلية حقيقية، تشمل تعزيز استقلالية المدرسة، وتطوير المناهج، والارتقاء بالمعلم، وتطبيق نظم تقييم حديثة، وربط التعليم بسوق العمل، وتحقيق حوكمة فعالة للمنظومة التعليمية، فإن مدّ الإلزام قد يتحول إلى عبء مالي على الدولة دون عائد تنموي ملموس. ومن ثم، فإن السؤال الأهم ليس: هل نضيف سنة دراسية؟ بل: ماذا نعلم في هذه السنة؟
وفي هذا السياق، يشار إلى أنه قد سبق لنا – إبّان تولي حقيبة وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني خلال الفترة (2015–2017) – طرح نموذج إصلاحي متكامل يقوم على: الإلزام التدريجي لمرحلة رياض الأطفال، والتطوير الشامل للتعليم الفني وربطه بمؤسسات الإنتاج، وإتاحة مسارات تعليمية مرنة في المرحلة الثانوية، وربط الإلزام التعليمي بمؤشرات أداء واضحة ضمن رؤية 2030، مع تطبيق مرحلي يبدأ بالمناطق الأكثر جاهزية ، وكان قد تم البدء بتنفيذ بعض جوانب وخطوات ذلك النموذج.
وخلاصة القول إن مدّ الإلزام التعليمي إلى 13 عامًا ليس قرارًا إداريًا بسيطًا، بل هو خيار استراتيجي يعكس تصور الدولة لدورها في بناء الإنسان المصري. وقد يمثل خطوة مهمة إذا ما جاء ضمن إطار إصلاح شامل يضمن جودة حقيقية للتعليم، ومسارات تعليمية مرنة، وارتباطًا واضحًا بخطط التنمية. أما إذا اقتصر الأمر على زيادة زمنية دون مضمون تطويري، فقد يتحول إلى رقم جديد في نظام قديم. ومن ثم، فإن الرهان الحقيقي في هذه القضية لا يكمن في عدد السنوات، بل في قيمة ما يُتعلَّم خلالها.