بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

الأسواق الشعبية .. ذاكرة الحضارة في أيام الشارقة التراثية

بوابة الوفد الإلكترونية

 

احتضنت فعاليات المحور الفكري للدورة الثالثة والعشرين من أيام الشارقة التراثية، المقامة تحت شعار «وهج الأصالة»، ندوة بحثية تحت عنوان «الأسواق الشعبية»، أدارها الدكتور عادل الكسادي، وشارك فيها عدد من الأكاديميين والباحثين، الذين قدموا قراءات تاريخية واقتصادية معمقة حول تحولات الأسواق التراثية في مصر والخليج والبلقان، ودورها في تشكيل الوعي الحضاري والاقتصادي للمجتمعات.

خان الخليلي… من سوق مملوكي إلى مقصد عالمي

في ورقته المعنونة «خان الخليلي من سوق مملوكي إلى مزار سياحي»، استعرض الدكتور يحيى محمد محمود المسار التاريخي لـخان الخليلي، مؤكداً أنه مثّل منذ القرن الرابع عشر الميلادي مركزاً حيوياً لتبادل السلع والمؤثرات الحضارية.
وأوضح أن السوق حافظ على طابعه المعماري والوظيفي عبر العصور، قبل أن يتحول تدريجياً إلى وجهة سياحية عالمية تمزج بين عبق التاريخ وروح الحياة المعاصرة.

كما تناول القيمة التوثيقية للخان في أعمال المستشرقين، مشيراً إلى لوحة الفنان هيكي التي وثّقت تفاصيل بوابته التاريخية وحركته التجارية.
ولفت إلى أن الخان قدّم نموذجاً مبكراً لفكرة «المول التجاري» بمفهومه الحديث، حيث تجمعت داخله السلع المحلية والدولية، إلى جانب المقاهي والحمامات التقليدية، ما جعله وحدة حضارية متكاملة تتيح للزائر معايشة قرون متعاقبة من التاريخ في فضاء واحد. وأكد أن المكان ظل مقصداً للزعماء والمثقفين والسياح، محتفظاً ببعده الوجداني والاجتماعي حتى اليوم.

الميركنتيلية البرتغالية… احتكار التجارة في الخليج


من جانبه، قدّم الدكتور أدريان دي مان ورقة بعنوان «Markets and the Mercantilism during the Portuguese Presence»، تناول فيها ملامح النظام التجاري في الخليج خلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر.
وأوضح أن البرتغاليين لم يؤسسوا نظاماً تجارياً جديداً بالكامل، بل سعوا إلى إحكام السيطرة على الشبكات القائمة وفق النهج الميركنتيلي القائم على الاحتكار وفرض الضرائب. وأشار إلى تطبيق نظام «الكارتاز» الذي فرض تصاريح إبحار مدفوعة الرسوم، إلى جانب إنشاء مراكز جمركية لمراقبة حركة السفن.
وبيّن أن محدودية القوة البشرية دفعت البرتغاليين إلى الاستعانة بمرتزقة من الهند وأفريقيا، ما أدى إلى اختلالات إدارية وانتشار الفساد نتيجة قصر مدة تعيين القادة. وشدد دي مان على أن فهم هذه المرحلة يتطلب قراءة التاريخ من زاوية الحياة اليومية للتجار وغواصي اللؤلؤ والمجتمعات المحلية، مؤكداً أن التراث هو قراءة معاصرة للماضي بما يخدم الحاضر.
 

أسواق البلقان… الوقف يصنع المدينة
 

وفي ورقته «الأسواق الشعبية في مقدونيا بين بدايات نشأتها ووضعها الحالي»، استعرض الدكتور مسعود إدريس نشأة الأسواق في البلقان، موضحاً أن نظام الوقف العثماني أسهم منذ القرن الخامس عشر في تحويل القرى إلى مدن متكاملة.
وأشار إلى أن مراكز المدن التاريخية مثل سكوبيا وسراييفو ما تزال تحتفظ بهويتها الوقفية، حيث تتجاور الأسبلة والخانات والأسواق المغلقة «البزيستان». ولفت إلى أن الخانات كانت مراكز استراتيجية لخدمة التجار، فيما تحوّل بعضها اليوم إلى متاحف ومعارض فنية.
وأكد أن الأسواق المفتوحة والمغلقة في البلقان لا تزال تنبض بالحرف التقليدية، مثل صناعة النحاس والأقمشة والأحذية، مشيراً إلى أنها فضاءات اجتماعية تعكس روح الضيافة والهوية الثقافية للمجتمعات المحلية.
الأسواق… فضاءات للتفاعل وصياغة الهوية
وشهدت الندوة مداخلات ثرية ناقشت دلالات المصطلحات التاريخية، وربطت بين التجارب الدولية والواقع المحلي، مستحضرة تاريخ منطقة «الخان» في الشارقة كمحطة لاستراحة المسافرين قديماً.
وأكد المشاركون أن الأسواق الشعبية لم تكن مجرد أماكن للبيع والشراء، بل شكّلت عبر العصور مراكز للتفاعل الإنساني والثقافي، وأسهمت في صياغة الهوية الحضارية لمجتمعات مصر والخليج والبلقان، لتبقى شاهداً حياً على «وهج الأصالة» الممتد عبر الزمن.