العبادات وتعظيم شعائر الله
في استقبال شهر الصوم تتهيأ النفوس للعبادة صلاة وصياماً وذكراً وتلاوة لكتاب الله عز وجل، فالشهر الفضيل من أهم مواسم الطاعات في حياة المسلمين جميعاً.
والعبادات مقصودة لذاتها ولحكم أخرى، فالصوم مدرسة تربوية وأخلاقية، حيث يقول نبينا الكريم (صلى الله عليه وسلم): «قالَ اللَّهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ له، إلَّا الصِّيَامَ؛ فإنَّه لي، وأَنَا أجْزِي به، والصِّيَامُ جُنَّةٌ، وإذَا كانَ يَوْمُ صَوْمِ أحَدِكُمْ فلا يَرْفُثْ ولَا يَصْخَبْ، فإنْ سَابَّهُ أحَدٌ أوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ، والذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِن رِيحِ المِسْكِ، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إذَا أفْطَرَ فَرِحَ، وإذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بصَوْمِهِ».
والصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكـر ، حيث يقول الحق سبحانه: «اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُون»، فمن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له.
والعبادات إعداد وتأهيل لحمل الرسالة وعمارة الكون والحياة، حيث يقول الحق سبحانه: «يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا»، فإذا كان الإنسان في ليله في خلوة مع الخالق (عز وجل) فأمامه في النهار متسع طويل لعمارة الكون وصناعة الحضارة ، فالإسلام فن الحياة لا صناعة الموت، ودورنا هو عمارة الدنيا بالدين لا تخريبها ولا تدميرها باسم الدين.
والحج مدرسة أخلاقية وتربوية عظيمة، يقول نبينا الكريم (صلى الله عليه وسلم): «من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه».
وفي الحج تبرز قضية التسليم المطلق لله (عز وجل)، وتفويض الأمر له سبحانه، والوقوف عند حدوده، وتعظيم شعائره، وتعظيم حرماته، حيث يقول الحق سبحانه: «ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ»، ويقول سبحانه: «ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ».
فمن كان يعظم حرمات الله (عز وجل) في صيامه وصلاته وحجه وفي سائر المناسك والعبادات، فعليه أن يستحضر هذا التعظيم لشعائر الله في كل حركاته وسكناته وجوانب حياته، فالأمر أشمل وأعم، فعن أم المؤمنين السيدة عائشة (رضي الله عنها) قالت: «سَأَلْتُ رَسُولَ الله (صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) عَنْ هَذِهِ الآيَةِ : «وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ»، قَالَتْ: أَهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ؟ قَالَ: «لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ ، وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لَا تُقْبَلَ مِنْهُمْ».
فالدين المعاملة، والدين حسن الخلق، ومن زاد عليك في الخلق فقد زاد عليك في الدين، فقد سئل نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم: «ما أكثر ما يدخل الجنة يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم «تقوى الله وحسن الخلق»، وقال صلى الله عليه وسلم: «إنّ أحبّكم إليّ وأقربكم منّي مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا»، وقال صلى الله عليه وسلم: «إن المؤمنَ لَيُدْرِكُ بحُسْنِ خُلُقِه درجةَ الصائمِ القائمِ».
مع تأكيدنا على أهمية قضاء حوائج الناس من كساء العاري، وإطعام الجائع، ومداواة المريض، ولا سيما في هذه الأيام الكريم في استقبال شهر الجود والكرم، حيث يقول نبينا الكريم (صلى الله عليه وسلم): «مَن نَفَّسَ عن مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِن كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللَّهُ عنْه كُرْبَةً مِن كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ، وَمَن يَسَّرَ علَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللَّهُ عليه في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَن سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللَّهُ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللَّهُ في عَوْنِ العَبْدِ ما كانَ العَبْدُ في عَوْنِ أَخِيهِ».
الأستاذ بجامعة الأزهر