بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

"الذكرى السنوية" ومستقبل أمريكا

لابد أن السينما الأمريكية كعادتها، ستلاحق التغيرات العميقة التي تجري على الساحة السياسية الأمريكية منذ صعود اليمين الشعبوي بقيادة دونالد ترامب إلى السلطة، وما تداعى ثم طفا على سطح الحياة من أفكار جديدة، تعادي القيم الديمقراطية  القديمة التي كان يُعتقد أنها قد أصبحت راسخة، بحيث بدا أن هناك خشية حقيقية على التماسك الاجتماعي، مع كل ما تتعرض له الحريات الشخصية من مخاطر، وتصاعد النزعات العنصرية والعدائية تجاه الأقليات، وصعود الفاشية التي تتمثل في اعتبار النقد، حتى ما يأتي من طرف أجهزة الإعلام ذات التاريخ العريق، جزءا من مؤامرة يقودها عناصر الحزب الديمقراطي واليسار، وبعد أن أصبح ترامب يصف كل من يعارضونه بأنهم شيوعيون وفوضويون.
ولعل من أوائل الأفلام التي تحذر من ما يمكن أن يحدث في المجتمع الأمريكي من انقسامات تنذر بانهيار النظام الديموقراطي، وتحول أمريكا إلى دولة شمولية فاشية، تخضع لحكم الفرد، هو فيلم "الذكرى السنوية" Anniversray الذي أخرجه المخرج البولندي يان كوسا. هذا الفيلم يتناول الموضوع السياسي ولكن من خلال دراما تدور داخل عائلة من الطبقة الوسطى الأمريكية: أستاذة علوم سياسية جامعية هي "إلين"، تقوم بدورها ببراعة الممثلة الجميلة "ديان لين"، وزوجها "بول" وهو صاحب مطعم للنخبة في واشنطن، والفيلم يبدأ باحتفالهما بالعيد الـ25 لزواجهما في منزلهما الفخم، حيث يتجمع أبناؤهم الأربعة، ثلاث فتيات، وشاب هو "جوش" الذي يأتي ومعه خطيبته "ليز" التي ستصبح المفجر للتناقضات العنيفة التي تنشأ داخل العائلة، والتي تعكس على المستوى الرمزي، الانقسام الاجتماعي الخطير داخل المجتمع الأمريكي الكبير.
"ليز" كانت طالبة سابقة عند "إلين"، ولكنها على العكس من إلين التقدمية، تعتنق أفكارا شديدة اليمينية، من الواضح أنها عبرت عنها في كتاب ضخم يحمل عنوان "التغيير: عقد اجتماعي جديد"، يدعو إلى نظام سياسي جديد يقوم على وجود حزب واحد بدعوة توحيد الشعب، وإشراك الأمريكيين "العاديين" أي غير النخبويين، في العمل السياسي وتقرير مصيرهم بأيديهم، ونبذ الديمقراطية التي أصبحت عبئا ثقيلا.
يتابع الفيلم ما يقع من تطورات داخل العائلة في ضوء ما يحدث من متغيرات درامية عنيفة في الخارج، عبر خمس سنوات، تشهد انقساما وصراعا بين أطراف العائلة، يصل إلى الوشاية وبيع النفس من ناحية، أو التضحية بالحياة والحاضر الاستمرار في "المقاومة" أي مقاومة الانزلاق نحو الفاشية.
الصورة قاتمة، والنبوءة لا تبشر بالأمل، والفيلم يقول بوضوح إن هناك مؤسسات رأسمالية تقف وراء هذا السعي المحموم نحو التغيير، تتخفى وراء شعارات مثل الوسطية السياسية والارتفاع فوق الانقسامات، وهي إشارة واضحة إلى ما يماثل "مؤسسة التراث" التي وضعت في 2022 مقترحات الانتقال السياسي لعام 2025 في حالة فوز المرشح الجمهوري دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية. ويقع المشروع في 920 صفحة، ويهدف إلى تركيز جميع السلطات في أيدي الرئيس، ويقوم على أساس إجراء "تغيير" واسع النطاق في كل جوانب السلطة، تمهيدا لتطبيق سياسات متشددة في قضايا الهجرة والإجهاض والهوية الجنسية والتعليم وغيرها. وهو ما يتم تطبيقه حاليا بالفعل.
تنبع جاذبية الفيلم من كون الموضوع السياسي رغم حضوره القوي، لا يطغى على السياق الدرامي المحكم، وتصوير التباين بين الشخصيات، كذلك تكثيف الصراع بين أطراف من داخل العائلة الواحدة، وتصوير انقلاب المصائر، من دون أن يختل توازن الفيلم، أو يفقد قدرته على جذب المتفرج، رغم أن الأحداث تدور في معظمها، داخل منزل العائلة، الذي سيشهد بالطبع، تغييرات كبيرة تجعله يصبح مثل سجن كبير قبيح، بعد قطع الخدمات عنه، وتعرض من بقوا فيه وعلى رأسهم بالطبع، إلين وبول اللذين يرفضان الخضوع رغم كل التهديدات، فهما من جيل نشأ على القيم الليبرالية، وعلى أمريكا الأخرى، التي تحتضن الآراء والاتجاهات المختلفة. ولكن كم تبقى في الواقع من أمثال إلين وبول؟