تأملات
إيران تتجرع السم ثانية!
فى عام 1988 وبعد أن وصلت الحرب العراقية الإيرانية لمرحلة تنذر بالخطر على النظام فى طهران لم يتوان الخمينى عن إعلانه قبول وقف النار معتبرًا أن قراره ذاك بمثابة تجرع للسم دون أن يتوقف كثيرًا عن دلالات تلك الخطوة وما تحمله من تنازل ربما له تأثيره على مستقبل الثورة الإيرانية التى لم تكن قد أنهت بعد عقدها الأول. غير أن إيران يبدو أنها وعت الدرس جيدًا ومضت فى مسارات متنوعة تمكنت من خلالها من تعزيز وجودها فى المنطقة رغم فشلها فى تحقيق هدف تصدير الثورة الذى رفع النظام الحاكم راياته آنذاك.
بعيدًا عن أى أحكام قيمية نجحت طهران على مدار العقود الثلاثة التالية فى تأسيس شبكة عنكبوتية إقليمية مثلت ما اصطلح على تسميته بمحور المقاومة كان له أذرع طويلة فى العراق ولبنان واليمن وسوريا بل وفى فلسطين. وامتد ذلك إلى تعزيز قدراتها العسكرية على نحو ارتقى لطموح امتلاك برنامج نووى يكون نواة لامتلاك القنبلة النووية. وكان لذلك تأثير ما فى لجم الاستفراد بالمنطقة من قبل قوى خارجية وفرملة بعض الطموحات الإسرائيلية.
وإزاء التربص الغربى بالمشروع الإيرانى والذى تؤججه إسرائيل كانت بعض المشاكسات لعرقلة طموح نظام الملالى تمثل فى عقوبات اقتصادية والعمل على التوصل إلى اتفاق لتحجيم برنامجها النووى دون أن يصل الأمر إلى أى نوع من أنواع التفكير فى صدام عسكرى.
غير أن وصول ترامب إلى الحكم مثل تطورًا مفصليًا فى مسيرة المشروع الإيرانى. بدأ الأمر بإلغاء اتفاق خمسة زائد واحد الذى تم توقيعه خلال حكم أوباما ثم تطور خلال الفترة الثانية لترامب بوضع إيران كهدف من مجموعة أهداف فى بؤرة السياسة الأمريكية الرامية إلى تعزيز هيمنتها العالمية.
ولأن السياسة لا تعرف المستحيل، فقد كانت حرب الـ 12 يومًا والتى بدأتها إسرائيل ثم واصلتها الولايات المتحدة فى ضوء عدم نجاح تل أبيب أو تعزيز لها. كسر ذلك أحد المحرمات المتعلقة بشن عمل عسكرى ضد إيران باعتبار أن ذلك يمكن أن يشعل النار فى المنطقة.
وفى ضوء ظروف دولية متعددة تعرضنا لبعضها فى مقالات ماضية تغير الهدف الأمريكى من تحجيم إيران إلى العمل على إسقاط النظام هناك، ومع اتساع المساحة أمام واشنطن فإنها كانت تضيق أمام طهران، على نحو بدا معه أنها تتجه لفكرة قبول تجرع السم مرة ثانية كخيار وحيد للحفاظ ليس فقط على استمرار النظام وإنما الحفاظ على وضع الدولة الإيرانية ذاتها. يبدو ذلك على صعيد الولايات المتحدة فى أن الهدف لم يعد البرنامج النووى فقط وإنما برنامج طهران الصاروخى مع مساع غير خفية لإسقاط النظام داخليًا، تحت ضغط عسكرى ينطلق من سياسة حافة الهاوية.
انعكس ذلك فى خفوت حدة لغة الناطقين باسم النظام فى طهران واستخدام نبرة هادئة تعكس تفضيل خيار الدبلوماسية والبعد عن العمل العسكرى، وإن لم تختف تمامًا نبرة الإعلان عن الجاهزية لمواجهة أى هجوم أو اعتداء على البلاد، وهذا أمر طبيعى ويمكن تفهمه. بمعنى آخر أن طهران تدرك أن الوقت ليس وقتها، وأن الانحناء للعاصفة فى ظل موجة الغطرسة الأمريكية الجارفة ربما يكون الخيار الأفضل.
المشكلة أن ذلك يمثل مزيدًا من الإغراء للطرف الآخر والذى يزيد من ضغوطه لتحقيق أقصى مكاسب ممكنة، وفى هذا مثلًا تشير بعض التقارير إلى سعى واشنطن مثلًا لفرض أوضاع تتجاوز البرنامجين النووى والصاروخى إلى قضايا أخرى تتعلق بشكل علاقات إيران خاصة مع الصين وروسيا.. ربما يعبر كل ذلك عن ضخامة المأزق الذى تواجهه إيران وتتوقف حسن مواجهته على حكمة القائمين على الأمر هناك.