" أمريكا وإيران..طبول حرب أم مسرح تفاوض" ؟
توقعت قبل ذلك أن أمريكا لن تتسرع فى قرار ضرب ايران ، وماتفعله مجرد مناورات لتحقيق مكاسب ، وأن قرار الحرب ليس قرارا فرديا يخضع للعواطف أو الأهواء الشخصية ولكن يخضع لتقييم المؤسسات ومدى تأثير ذلك على إقتصاد الولايات المتحدة.. في كل مرة يتصاعد فيها التوتر بين أمريكا وإيران تتسابق التحليلات إلى توقع حرب وشيكة ، وتعلو نبرة التصريحات العسكرية ، وكأن المنطقة على أعتاب مواجهة كبرى لا مفر منها. لكن بقراءة هادئة لمسار الأحداث نكشف أن واشنطن في أغلب الأحيان ، لا تتعجل الضربة العسكرية ، بل تفضّل إدارة الصراع لتحقيق مكاسب بدلا من إشعاله وتحميل الميزانية أعباء إضافية.
الولايات المتحدة تدرك أن أي مواجهة مباشرة مع إيران لن تكون حربًا تقليدية قصيرة ، بل صراعًا مفتوحًا قد يمتد إلى الخليج والعراق وسوريا ولبنان ، ويهدد الملاحة في مضيق هرمز ، الشريان الحيوي لأسواق الطاقة العالمية والذى يترتب عليه ارتفاعًا حادًا في أسعار النفط ، واضطرابًا إقتصاديًا قد ينعكس على الداخل الأمريكي قبل الخارج..لهذا فى ظنى أن واشنطن قد تميل إلى استخدام ما يمكن تسميته بـ"حروب الضغط"، حيث تُحرّك القطع العسكرية، وتُكثّف المناورات ، وتُطلق التصريحات الحادة ، دون أن تتجاوز الخط الأحمر للحرب الشاملة. هذه السياسة تحقق عدة أهداف في آن واحد : فهي تبعث برسالات تطمئن بها الحلفاء ، وفى الوقت نفسه تخيف الخصوم ، وتفتح الباب أمام صفقات سياسية أو اقتصادية دون أن تدفع تكلفة الرصاص..كما أن القرار العسكري في الولايات المتحدة ليس قرارًا عاطفيًا أو متسرعًا ، بل يخضع لحسابات دقيقة تتعلق بالرأي العام ، والكونجرس، والانتخابات ، والميزانية. والحروب الطويلة في العراق وأفغانستان ما زالت حاضرة في الذاكرة الأمريكية ، كدروس قاسية عن تكلفة المغامرات العسكرية في الشرق الأوسط..
إضافة إلى ذلك فإن التلويح بالحرب يمنح واشنطن أوراقًا تفاوضية قوية ، سواء في الملف النووي الإيراني أو في قضايا الطاقة وأمن الممرات البحرية. فالتصعيد المدروس قد يحقق ما لا تحققه الصواريخ. من هنا يبدو أن الاستراتيجية الأمريكية تقوم على مبدأ واضح وهو الضغط إلى أقصى حد ممكن ، دون الانزلاق إلى حرب شاملة إلا إذا فُرضت عليها فرضًا. فالحرب بالنسبة لواشنطن ليست هدفًا في حد ذاته ، بل أداة أخيرة ، تُستخدم فقط عندما تفشل كل أدوات الضغط الأخرى.. ولذلك أرى أن ما نشهده من تصعيد متكرر مجرد فصل جديد في لعبة شد الحبل بين واشنطن وطهران، حيث ترتفع الأصوات، لكن الرصاصة الأخيرة تظل مؤجلة...