واردات البليت تستنزف موارد النقد الأجنبى وتجر صناعة الصلب المصرية للتخلف
فى كل إقتصادات بلدان العالم لا صوت يعلو فوق صوت الصناعة ،ولا أحد يجرؤ على إنتهاك الضوابط والقوانين الحاكمة والمنظمة للصناعة ،وكل بلدان العالم -أيضا – تحمى صناعاتها وأسواقها الداخلية من أية ممارسات ضارة وأهمها الإغراق المتمثل فى تدفق الواردات من صنف ما بكميات كبيرة وأسعار مغرقة تقل عن مثيلتها فى بلد المنشأ مما يلحق الأضرار بالغة الخطورة بالصناعة المحلية المستقبلة للواردات المغرقه .
صناعة الصلب والنمو الإقتصادى
نستطيع الجزم وإنطلاقاً من المسافه صفر بأن صناعة الصلب تعد أساس الحضارة والتنمية فى كل المجتمعات والبلدان على حد سواء ،وهى مكون رئيسى فى أى إستراتيجية للنمو الإقتصادى فى البدان المتقدمة ،أو فى الدول الناشئة ،أو التى فى مراحل التنمية الاولية ،وبالتالى تدخُل الحكومات – أى حكومات – لحماية صناعة الصلب المحلية لديها ليس نوعاً من الترف والرفاهية ،أو حتى الإستقواء ،بل لضمان التنمية الإقتصادية الشاملة والإستدامه فيها ،بالإضافة إلىى تنمية الصناعة المحلية نفسها وتعظيم الإنتاج المحلى والصادرات منها مما يجعلها أحد أهم موارد النقد الأجنبى للبلاد .

وإذا نظرنا إلى كل إقتصادات الدول الصناعية الكبرى سنجد أن هناك إرتباطاًوثيقاً بين الناتج المحلى الإجمالى وإنتاج الصلب السائل ،أو الخام فى هذه الدول ويظهر ذلك بوضوح شديد فى الصين والتى تعد أكبر منتج للصلب فى العالم بطاقات إنتاجية تتخطى المليار طن سنوياً ،والهند ثانى أكبر منتج للصلب فى العالم بطاقات إنتاجية سجلت عام 2024 نحو 149.4 مليون طن ،ولديها شركتين من أصل أكبر عشر شركات منتجة للصلب فى العالم وهما آرسيلور ميتال ،وتاتا وإن كانت آرسيلور ميتال شركة متعددة الجنسيات ولها أفرع فى العديد من دول العالم إلا أن مالكها رجل أعمال هندى وهو لاكشى ميتال .
ونفس الحال فى اليابان التى تحتل المركز الثالث فى الإنتاج العالمى بطاقات إنتاجية بلغت عام 2024 نحو 84 مليون طن ،ونفس الأمر فى الولايات المتحدة الأمريكية رابع أكبر منتج للصلب فى العالم ،وروسيا ،وكوريا الجنوبية ،وتركيا والبرازيل .وعلى مستوى دول الإتحاد الأوروبى سنجد أن صناعة الصلب هى بمثابة حجر الزاوية فى الإقتصاد الأوروبى عن بكرة أبيه مع الإشارة إلى أن الإتحاد الاوروبى "27 دولة " لجأ مؤخراً إلى العمل بنظام الحصص الكمية بهدف الحد من واردات الصلب القادمة إلى اسواقه . وعلى مستوى الدول العربية سنجد أن هناك إرتباطاً وثيقاً بين صناعة الصلب والنمو المذهل الذى يتحقق فى دول مثل ، مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والمملكة المغربية والكويت وسلطنة عمان والأخيرة وصف وزير تجارتها قيس بن محمد آل يوسف صناعة الصلب بأنها أهم الصناعات المحورية التى تساهم بنسبة كبيرة فى الناتج المحلى الإجمالى للسلطنة ،وتشكل صادراتها نحو 40 % من إجمالى صادرات السلطنه فى القطاعات الصناعية المختلفة.
إن عمليات التنمية فى أى مجال معرضة للتوقف والخسران المبين إذا توقفت صناعة الصلب ،فكل القطاعات الصناعية والعمرانية تعتمد بالدرجة الاولى على الصلب ،وإذا نظرنا إلى قطاعات مثل السيارات وبناء السفن والطائرات والطاقة والتشييد والبناء (أكبر مستهلك للحديد حيث تمثل حوالى 50 % من إجمالى إستهلاك الصلب فى العالم )والسلع المعمرة والسلع الوسيطه والعشرات من الصناعات المختلفة الاخرى سنجد صناعة الصلب احد أهم مكوناتها والعناصر الداخلة فى صناعتها ،وإلا ما كانت دولة مثل الولايات المتحدة الأمريكية التى تسود وتقود العالم تتخذ كل السياسات الحمائية وتفرض الرسوم الحمائية على كل دول العالم المصدرة للصلب لديها واهمها الصين ،وتفرض أمريكا هذه السياسات الحمائية دون الإلتفات أو الإهتمام بالقواعد المعمول بها فى منظمة التجارة العالمية لدرجة تشعرك وكأن المنظمة غير موجودة فى ظل الحروب والإحتكاكات التجارية الموجودة فى شتى أنحاء العالم فى الوقت الحالى .

فى الفترة الأولى من حكم الرئيس الامريكى دونالد ترامب فرض رسوما نسبتها 25 % على واردات الصلب ،ثم جاء الرئيس بايدن وحافظ على إستمرار الرسوم الجمركية التى فرضها ترامب ،ثم جاء ترامب مرة أخرى ولكنه فى هذه المره رفع الرسوم إلى 50 % ،إلى جانب إتهامه دول بعينها بتلقى دعماً حكوميا ،والدعم كلمة مطاطه ،ومصطلح فضفاض ،فقد تتلقى دوله ما دعماً من دوله أخرى فى صورة تسهيلات ،أو قرضاً ،وبالتالى ليس هناك علاقة حميدة أو حتى آثمة بين دعم القروض والتسهيلات وصناعة الصلب !
إستنزاف الموارد الدولارية فى إستيراد البليت رغم وفرته محلياً !
مع بدايات عام 2008 وصناعة الصلب المصرية تواجه العثرات تلو العثرات ،والعقبات تلو العقبات ورغم هذه العثرات والعقبات المنهكه لأى صناعه فى أى دوله على كوكب الأرض ،إستطاعت صناعة المصرية أن تنمو وتحتل مرتبة عالمية كبرى فى قائمة أكبر 15 دولة منتجة فى العالم وفقا للإحصائيات الصادرة عن منظمة التجارة العالمية فى تقريرها الاخير الصادر عام 2025 حيث جاء ترتيب مصر رقم 13 قبل كل الدول الأفريقية والعربية المنتجة للصلب دون إستثناء ،وعلينا أن ندرك ونعى جيدا أن الفضل الأكبر فى تحقيق مصر لهذه المكانة العالمية فى إنتاج الصلب يرجع بالدرجة الأولى إلى المصانع المتكاملة ونصف المتكاملة وعلى رأسها بالقطع عملاق صناعة الصلب فى مصر والشرق الاوسط مجموعة حديد عز ،وتليها مصانع ضخمه وعملاقه هى الأخرى وهى ،مجموعة السويس للصلب ، حديد المصريين ،مجموعة بشاى ، مجموعة المراكبى وهذه المصانع الضخمه تمثل صناعة الصلب الحقيقية لأنها تنتج الصلب السائل أو الصلب الخام ،أما مصانع الدرفلة فلا يمكن أن نطلق عليها صناعة صلب حقيقية لأنها لا تضيف أى قيمة مضافة للصناعة وتكتفى فقط بإستيراد كميات ضخمه من البليت وهو منتج نصف نهائى وتجرى عليه عملية تشكيل أو درفله ليخرج حديد تسليح بتخانات مختلفة ،وهذا كل ما تفعله مصانع الدرفلة الموجودة فى مصر وهى بالمناسبة لا تريد أن تطور من نفسها وتنشأ افران صهر جديدة وتدخل مرحلة الصناعة الحقيقية والسبب فى ذلك أنهم يحققون الأرباح الخيالية من درفلة البليت المستورد دون عناء يذكر .
من أهم العراقيل التى واجهتها صناعة الصلب وأقصد بصناعة الصلب المصانع المتكاملة ونصف المتكاملة ،عدم وجود حماية حكومية كافية من الواردات المغرقه سواء من البليت ،أو المنتجات المدرفلة على الساخن "الصاج أو الفلات" . لك أن تتصور أن حكومات دول صناعية كبرى ولديها إقتصادات جبارة تتدخل لحماية صناعة الصلب لديها ونحن الدولة النامية التى تجتهد وتتحسس طريقها للنمو نكتفى بالفرجه ونفتح الباب على مصراعية لمستوردين وتجار واصحاب مصانع درفلة لإغراق أسواقنا بالبليت والصاج المستورد من خلال هؤلاء الذين يسعون بشتى الطرق لإستيراد كميات ضخمة من البليت وتشكيله ودرفلته إلى حديد تسليح وبيعه بسرعه فى السوق المحلى و تحقيق الأرباح الطائلة دون النظر لمصالح الصناعة رغم أن المصانع المتكاملة تنتج البليت المحلى وتوفره للصناعة المحلية بأسعار عادلة ومناسبة للتكلفة ، ولكن على مايبدو أن أصوات أصحاب المصانع المتكاملة ونصف المتكاملة لا تطرب أصحاب مصانع الدرفلة على طريقة زمار الحى لا يطرب .

والمدهش فى الامر ان أصحاب مصانع الدرفلة يتحججون بأن المصانع المتكاملة تحاربهم وتريد القضاء عليهم لأن أسعارهم أرخص ويقبل عليها المستهلك الذى يهمه بالدرجة الأولى شراء الحديد بسعر رخيص ، وهذه نظرية فى ظاهرها مثالية ولكن فى واقعها السم والمراره ،لأن كل مصانع الدرفلة تدرك جيدا أنها تستنزف موارد البلاد من النقد الأجنبى لإستيراد البليت بسعر رخيص دون أن تتحمل التكاليف الباهظة التى تتحملها المصانع المتكاملة لإنتاج البليت المحلى .كما أن مصانع الدرفلة لايوجد لديها حجم عمالة مثل حجم العمالة الموجود فى المصانع المتكاملة ونصف المتكاملة . الأمر الآخر أن مصانع الدرفلة لا تسدد لخزانة الدولة الأرقام والمبالغ الرهيبة التى تسددها المصانع المتكاملة ونصف المتكاملة سواء فى الطاقة -كهرباء وغاز -،أو الضرائب ،أوالتأمينات أو غيرها .
لا يعقل أن تكون الرسوم على البليت لمدة سنوات عجاف مرت من عمر صناعة الصلب المحلية صفر على الشمال ،وليس من المتصور أن تكون الرسوم على المسطحات المدرفلة على الساخن لمدة سنوات عجاف -أيضا- لا تتعدى 5 % فى حين أنها تصل إلى ضعف هذه النسبه فى دول صناعية كبرى ، وهذه التركيبة الغريبة غير المقبولة وغير المستساغة لسوق الصلب فى مصر ساهمت بشكل كبير فى أن جعلت السوق المصرى واحداً من أهم الأسواق لتصريف مخزونات بعض الدول الكبرى المنتجة للصلب وأهمها ،الصين وروسيا وتركيا وأوكرانيا بمنتجات البليت وإدخاله البلاد بكميات وأسعار مغرقة أضرت بالصناعة الوطنية وأقصد بالمصانع الوطنية وللمرة الألف المصانع المتكاملة ونصف المتكاملة .
فى الفترة الأخيرة كان بعض أصحاب مصانع الدرفلة يستوردون البليت بطرق ملتوية للتهرب من سداد مستحقات مصر التى أعطتهم ومنحتهم الكثير من الفرص والنعم . كان أحد المدرفلين يستورد بليت درجة تانية من دوله عربية كبيرة ويدخله مصر على انه درجه أولى وحصد وحقق أرباحاً خيالية لم يكن يتصورها فى يوم من الأيام جعلته يشترى مصنع ضخم فى مدينة بالوجه البحرى كان مملوكا لأحد البنوك . وقام آخرون خلال الأيام الأخيره بالتحايل على الضوابط والقوانين المعمول بها فى مصر بإستيراد نحو 200 ألف طن بليت خلال مالا يقل عن شهرين باسم أحد الأحزاب وتوهموا أن البلد "نايمه على ودانها " وإذا بالأجهزة الرقابية تصطادهم واحدا وراء الآخر ليسددوا أكثر من 200 مليون جنيه لخزانة الدولة فرق رسوم .
إن الطاقات الإنتاجية من الصلب فى أى دوله تقاس بما تنتجه من الصلب الخام ،فى حين لا يتم تصنيف مصانع الدرفلة على أنها منتجة للصلب لأنها إستثماراتها ضئيلة للغاية وتكتفى بشراء البليت ودرفلته "تشكيله لحديد تسليح " ولهذا لا تصنف منظمة الصلب العالمية وهى أهم مؤسسة دولية معنية بشئون الصلب مصانع الدفلة على أنها مصانع منتجة للصلب .الأمر الآخر ،أن المنظمة لا تُدخِل حديد التسليح المنتج فى مصر عن طريق إستخدام البليت المستورد ضمن الطاقات الإنتاجية لمصر ،وإنما يدخل البليت المستخدم لإنتاج هذه الكميات ضمن أرقام إنتاج الصلب بالدول المصدرة للبليت إلى مصر .
صناعة مصر الأولى بالرعاية والإهتمام
مما تقدم يتضح لنا أن صناعة الصلب المصرية لا بد أن تعمل فى مناخ صحى حتى تستطيع أن تنمو نموا مستداماً حتى لا تتحول المصانع إلى ما يشبه الأراضى القاحلة فى الوديان والسهول حيث ينمو العشب الأجرب لتأكله الأباعر .إن الرسوم الحمائية التى فرضتها الحكومه فى الثانى عشر من سبتمبر الماضى على الواردات من الصلب المسطح المدرفل على الساخن ونسبتها 13.6 % بواقع 3673 جنيها لكل طن ،ونحو 16.2 % على البليت المستورد بواقع 4613 جنيها لكل طن يجب أن يتم تمديها لخمس سنوات على الأقل ليس حباً ولا دفاعاً عن أشخاص أو أفراد أو مصانع بعينها ولكن لمصلحة واحده من أهم الصناعات المصرية تطورا ونموا وهى صناعة الصلب الوطنية ،وعلى الحكومة أن تدرك وتعى جيداً أن صناعة الصلب الوطنية والمصانع المتكاملة ونصف المتكاملة هى الأولى بالرعاية والإهتمام بدلا من حفنة مستوردين شغلهم الشاغل هو الإستيراد وتحقيق الأرباح السريعه مع الإلتحاف بمجموعه من الشعارات الجوفاء من قبيل إغلاق المصانع وتشريد العمال مع أن حجم العمالة الموجود فى مصنع واحد من المصانع المتكاملة يعادل حجم العمالة الموجود فى كل مصانع الدرفلة دون إستثناء . نكرر ونقول أن صناعة الصلب الوطنية هى الأولى والأهم بالرعاية ،ومن غير المتصور أن نستهلك نحو 7.4 مليون طن سنويا من حديد التسليح دون أن يكون لدينا صناعة صلب متكاملة قويه قابلة للنمو والإستدامة ،ومن غير المتصور أن يتم إستيراد هذه الكميات من الخارج -أيضا- حيث تمثل هذه الكميات مجموع ماتستورده اكثر من 4 دول مستوردة لحديد التسليح .إن إستيراد هذا الكم الهائل سيعنى زيادة فاتورة الواردات الإستيرادية لمصر بنحو 4 مليارات دولار .
جملة القول ،لسنا أقل من الولايات المتحدة الأمريكية ولا من الإتحاد الأوربى الذين يحمون أسواقهم بكل السياسات الحمائية الممكنة وغير الممكنه !