بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

نجاح الدورة 57 من معرض القاهرة الدولي للكتاب: إنجاز حقيقي أم بداية طريق؟

لم تكن الدورة السابعة والخمسون من معرض القاهرة الدولي للكتاب مجرد دورة ناجحة بالمعنى التقليدي، بل بدت في نظر كثيرين وأنا منهم وكأنها استعادة واعية لدور المعرض كحدث ثقافي جامع، لا يقتصر على بيع الكتب فقط، بل يمتد ليكون مساحة للحوار، والتفاعل، وإعادة طرح الأسئلة الكبرى حول الثقافة والهوية والمعرفة.
ومع انتهاء فعاليات المعرض، يبرز سؤال مشروع:
- من المسؤول الحقيقي عن هذا النجاح؟ هل هي كفاءة الإدارة؟ أم تحسن التنظيم؟ أم أن الجمهور المصري كعادته هو البطل الحقيقي للمشهد؟
وبنظرة سريعة متفحصة لفعاليات المعرض، سنجد أنه على مستوى البرنامج الثقافي، يمكن القول بأن هذه الدورة شهدت نقلة واضحة من منطق الحشد العددي إلى محاولة تقديم محتوى أكثر تنوعًا وثراءًا، فالندوات لم تعد حكرًا على الأسماء الأكاديمية التقليدية، بل شهدنا حضورًا لافتًا لمثقفين وكتاب من أجيال مختلفة، وموضوعات تمس الراهن السياسي والاجتماعي والفني، إلى جانب مساحات للحوار المفتوح مع الجمهور.
الأهم أن البرنامج بدا في كثير من لحظاته واعيًا بطبيعة المتلقي الجديد، الذي لم يعد يكتفي بالمحاضرة الجافة، بل يبحث عن النقاش والتفاعل والأسئلة المباشرة، هذا التحول وإن لم يكتمل بعد يعكس إدراكًا بأن الثقافة اليوم لا تُقدَّم من أعلى إلى أسفل، بل تُبنى في مساحة مشتركة بين المنصة والجمهور.
ولو نظرنا إلى المعرض تنظيميًا، فلا يمكن إنكار أن الدورة 57 نجحت في تجاوز عدد من الأزمات المزمنة التي ظلت تلاحق المعرض لسنوات، فحركة الدخول والخروج كانت أكثر سلاسة، وتوزيع القاعات بدا أوضح، والتعامل مع العارضين كان أكثر مرونة في كثير من الحالات.
هذه التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو هامشية هي في الواقع ما يصنع تجربة الزائر ويحدد إن كان سيغادر المعرض منزعجًا أم راغبًا في العودة.
ومع ذلك، فإن النقد الهادئ يقتضي الاعتراف بأن التنظيم ما زال بحاجة إلى تطوير أكبر، خاصة فيما يتعلق ببعض الفعاليات المتزامنة التي تتقاطع مواعيدها، أو ضعف الدعاية المسبقة لبعض الندوات المهمة، ما يحرمها من جمهور كان يمكن أن يكون حاضرًا بقوة، فالنجاح هنا حقيقي، لكنه نجاح قابل للبناء عليه، لا للاكتفاء به.
أما الجمهور المصري، فهو العنصر الأكثر دلالة في هذه المعادلة، فهذا الإقبال الكثيف، اليومي، بعشرات الآلاف، في ظل ظروف اقتصادية ضاغطة، لا يمكن تفسيره إلا باعتباره فعلًا ثقافيًا واعيًا، وربما نوعًا من المقاومة الناعمة، فجمهور يختار أن ينفق على الكتاب، وأن يحضر ندوة، وأن يقف في طابور توقيع، يؤكد أن الثقافة لم تُهزم، وأن العلاقة بين المواطن المصري والكتاب لم تنقطع رغم كل التحولات.
هذا الجمهور لم يأتِ بدافع الحنين فقط، بل بدافع المشاركة، مشاركة في النقاش، في السؤال، في إعادة تعريف ما تعنيه الثقافة في زمن السرعة والمنصات الرقمية، وهنا، ينجح المعرض حين يتحول من حدث رسمي إلى ملتقى شعبي ثقافي.
نجاح الدورة 57 هو في جوهره نجاح جماعي، إدارة واعية حاولت تطوير الأدوات،
تنظيم أكثر انضباطًا، وجمهور منح الحدث روحه ومعناه، وفي هذا السياق، لا بد من توجيه الشكر والتقدير لنجوم المعرض الحقيقيين، نجوم الظل الذين عملوا لشهور طويلة ليخرج الحدث بهذا الشكل، الدكتور أحمد مجاهد مدير المعرض على الجهد الكبير والمتابعة الدقيقة، هو وفريق العمل، في إدارة واحدة من أضخم الفعاليات الثقافية في المنطقة، للدكتور خالد أبو النيل القائم بأعمال رئيس الهيئة المصرية العامة للكتاب، الجهة المنظمة للمعرض، على الدور المؤسسي والداعم، ولوكيل وزارة الثقافة ومدير المكتب الفني لهيئة الكتاب محمد عزت، ولإدارة المعارض تحت قيادة المهندس هيثم يونس، ولكل فرق العمل التي عملت بعيدًا عن الأضواء وأسهمت بشكل مباشر في هذا النجاح.
يبقى التحدي الحقيقي بعد هذه الدورة هو: كيف يتحول هذا النجاح إلى سياسة ثقافية مستدامة؟
وكيف يظل المعرض مساحة حرة للتعدد والاختلاف، لا مجرد احتفال موسمي؟
أسئلة مفتوحة، لكنها تؤكد أن معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته 57، لم يكن مجرد حدث ناجح، بل لحظة ثقافية تستحق التوقف والتفكير.