بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

اطلبوا السماح .. فبراير يكشف أسرار مصر المظلومة

 

مصر لا تتحرك صدفة، مصر تتحرك حين يفيض الكيل، حين تضيق الصدور بما لا يقال وحين تصبح الكرامة أثقل من الصبر، وحين يكتشف الشارع أن السكوت لم يعد فضيلة بل عبئا على المستقبل، في تلك اللحظات فقط تخرج الدولة من هدوئها المزيف ويقف التاريخ على أطراف أصابعه منتظرا ما سيكتبه الناس بدمهم ووعيهم، هذه البلاد لا تعرف الثورات العابرة

فبراير ليس شهرا عاديا في الذاكرة المصرية، بل مساحة مكثفة من النار والوعي والاختبار الصعب بين الكرامة والانكسار، بين الصمت والانفجار، بين الماضي الذي يصر على الحضور والحاضر الذي يحاول أن يعيد ترتيب نفسه، كل عام في فبراير تخرج مصر من كتب التاريخ، وتسير في الشارع وتجلس على المقاهي، وتطل من عيون الطلبة وتظهر في جنازات الكبار وفي لحظات القرار القاسي

فبراير علمني أن الأوطان لا تتحرك فجأة، وأن الشعوب لا تصرخ بلا مقدمات، وأن السياسة ليست لعبة ناعمة بل مسار طويل من الجراح والتضحيات، ففي 4 فبراير 1942 وقفت الدبابات البريطانية أمام قصر عابدين ووجد الملك فاروق نفسه محاصرا داخل عرشه، بينما كان مصطفى النحاس باشا مطالبا بتشكيل الوزارة تحت ضغط القوة الأجنبية، اختار الرجل ما رآه مخرجا لبلد على حافة صدام دموي

فبراير يعود مرة أخرى في 9 فبراير 1946 حين خرج طلاب جامعة القاهرة يهتفون ضد الاحتلال، فكان الرد فتح كوبري عباس وسقوط الشباب في النيل واستشهاد وإصابة العشرات، يومها لم يكن الطلبة يبحثون عن بطولة بل كانوا يؤدون واجبا وطنيا خالصا، ومن هذه اللحظة فهمت أن الجامعة كانت دائما رحم التغيير، وأن الدم الطلابي هو أحد جسور الاستقلال، وأن مصر لا تبخل بابنائها حين يكون النداء كبيرا

ثم يأتي فبراير 3 عام 1975 ومعه رحيل أم كلثوم، ليست مجرد مطربة بل ذاكرة صوتية لوطن كامل، كانت صوت الصبر في الهزيمة وصوت الكبرياء في النصر وصوت الحب حين تضيق السياسة، برحيلها انطوت صفحة ثقافية كاملة، وسالت نفسي هل نملك اليوم رموزا تجمع الناس حول معنى واحد أم أن الضجيج كسر فكرة الرمز، فبراير يحمل رمزية لا تختصر في حدث واحد بل في ذاكرة جماعية

ويبلغ فبراير ذروته الحديثة في 11 فبراير 2011 حين أعلن عمر سليمان تنحي حسني مبارك بعد 18 يوما غيرت وجه السياسة في مصر، لم تكن لحظة رومانسية بل انهيار عقد قديم بين الحاكم والمحكوم، ولادة مرحلة جديدة بكل ارتباكها وأحلامها وأثمانها، وهنا أكرر أن الشعوب لا تنفجر فجأة بل تصمت طويلا ثم تقول كلمتها، فبراير يعلم أن التغيير يحتاج صبر وحساب

حتى مواليد فبراير تحمل دلالات عميقة، الملك فاروق في 11 فبراير وأحمد تيمور باشا في 6 فبراير، واحد جلس على العرش والآخر صنع وعيا ثقافيا هادئا، وكأن الشهر نفسه يذكرنا أن الأمم لا تبنى بالحكام وحدهم بل بالمفكرين أيضا، فبراير هو رسالة عن التوازن بين السلطة والفكر، بين الدماء والتضحيات، بين التاريخ والحاضر، بين الصبر والعمل الصامت

وسط هذا الزحام التاريخي يفرض الحاضر نفسه بسؤال الأمن والدولة والوعي، وهنا لا بد من التوقف أمام تجربة وزارة الداخلية في السنوات الأخيرة، حيث يقود اللواء محمود توفيق مدرسة مختلفة في الإدارة، مدرسة تعمل في صمت وتراهن على الوقاية قبل المواجهة وعلى القانون قبل الاستعراض، وعلى حماية المواطن البسيط باعتبارها جوهر هيبة الدولة، الأرقام تتحدث عن تراجع الجريمة وضربات موجعة للإرهاب

أنا أرى أن فبراير هو مرآتنا الكبرى، يكشف تناقضاتنا ويذكرنا بثمن الحرية، ويعلمنا أن الاستقرار ليس هدية مجانية بل نتيجة تراكم تاريخي طويل، وأن مصر حين تتعثر تنهض، وحين تنزف تتعلم، وحين تصمت تفكر ثم تتحرك، فبراير يقول لنا أن الوطنية فعل يومي وليست منشورا عابرا، وأن السياسة مسؤولية وليست مزايدة، وأن الوعي هو خط الدفاع الأول قبل أي سلاح، فبراير مرشد صامت

هذا الشهر يذكرنا بتاريخ مصر الطويل، من قصر عابدين إلى كوبري عباس، ومن جنازة أم كلثوم إلى بيان التنحي، ومن صراخ الطلبة إلى عمل مؤسسات الدولة، إنه درس في الوطنية والصبر، في التضحية والعمل، يعلمنا أن فهم حاضر مصر لا يتم إلا بفهم مسارها الطويل، وأن الشعب هو الذي يصنع التاريخ ويكتب مستقبله بوعي وثبات

هذا مقال رأي شخصي، لا أقدم فيه وصاية ولا أدعي امتلاك الحقيقة المطلقة، لكنني أكتب من وجدان مصري يرى في فبراير اختبارا دائما للضمير الوطني، ويرى في حاضر الدولة المصرية ثمرة دروس قاسية، ويؤمن أن طريق المستقبل يمر عبر فهم الماضي واحترام التضحيات وبناء أمن مستنير يحمي الناس قبل أن يفرض عليهم الصمت، فبراير ليس ذكرى بل رسالة مفتوحة لكل من يقرأ المشهد بعين واحدة

فإنني لا أكتب هذه السطور بحثا عن تصفيق ولا سعيا وراء بطولة ورقية، بل لأنني مؤمن أن مصر لا تعيش على الصدفة ولا تتحرك بالعاطفة، هذه دولة تعلمت من جراحها وبنت وعيها من الخسائر، وعرفت أن الطريق إلى المستقبل لا يمر عبر الشعارات بل عبر العمل الصامت واحترام التاريخ وحماية الناس قبل مطالبتهم بالصبر، فبراير ليس ذكرى بل درس مستمر عن وطنية والتزام، عن استقرار وصبر وحركة مدروسة.