إطلالة
أين الإعدام من استغلال الأطفال جنسيًا؟!
فى السنوات الأخيرة، تحولت قضية استغلال الأطفال فى الأعمال الجنسية وتصويرها وترويجها إلى أخطر الجرائم العابرة للحدود، لما تحمله من انتهاك صارخ لبراءة الطفولة وحقوق الإنسان، ولما تخلفه من آثار نفسية واجتماعية مدمرة على الضحايا والمجتمع ككل. هذه الجريمة لا تقتصر على اعتداء جسدى فقط، بل تمتد إلى توثيق الجريمة بالصورة أو الفيديو، ثم تداولها عبر منصات رقمية وشبكات سرية، ما يضاعف من حجم الأذى ويحول الطفل إلى ضحية متكررة ويدق أجراس الخطر للمجتمع بأكمله.
الخطورة بدأت بانتشار الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعى، إلى جانب التطور السريع فى تقنيات التصوير والتخزين، أسهم بشكل كبير فى تفشى هذه الجرائم. فقد أصبح من السهل إنتاج محتوى إجرامى وتداوله بسرعة هائلة، مستغلين ضعف الرقابة أحيانًا، أو جهل بعض الأسر بمخاطر العالم الرقمى، أو الفقر والاحتياج الذى يدفع بعض المجرمين إلى استهداف الأطفال الأكثر هشاشة، خاصة فى دور الرعاية أو البيئات المحرومة.
فوجئنا منذ أيام بواقعة إحدى دور الرعاية بمنطقة الشيخ زايد، والتى كشفت عنها التحقيقات خلال الفترة الماضية، ما تسبب فى صدمة وغضبًا واسعين فى الرأى العام. إذ تم استغلال أربعة أطفال،كما جاء بالتحقيقات، فى أعمال منافية للآداب بعد إخراجهم من محيط يفترض أنه آمن ومخصص للحماية والرعاية. هذه الواقعة، بغض النظر عن تفاصيلها القانونية التى لا تزال محل تحقيق، سلطت الضوء على ثغرات خطيرة فى منظومة الإشراف والرقابة داخل بعض مؤسسات الرعاية، وأعادت طرح تساؤلات ملحة حول آليات المتابعة والمساءلة.
هذه الجرائم خطورتها لا تكمن فقط فى الفعل الإجرامى ذاته، بل فى الآثار طويلة الأمد على الأطفال الضحايا، الذين يعانون من اضطرابات نفسية، وفقدان الثقة، وصعوبات الاندماج فى المجتمع، وقد يمتد الأذى ليلازمهم مدى الحياة. كما أن تساهل المجتمع أو التباطؤ فى الردع يفتح الباب أمام مزيد من الجرائم، ويشجع الشبكات الإجرامية على التمادى.
كل هذه الأحداث تجعلنا لا بد أن ننظر جيدًا فى عملية سن قوانين صارمة وواضحة تجرم بشكل قاطع كل أشكال استغلال الأطفال جنسيًا، بما فى ذلك التصوير والحيازة والترويج، مع تشديد العقوبات كى تصبح الإعدام شنقًا لكل متهم بارتكاب هذا الجرم لتكون رادعة فعلًا، دون أى تهاون أو استثناء، ويأتى هنا دور البرلمان فى تشريع القوانين. كما يجب تسريع إجراءات التقاضى فى مثل هذه القضايا، لحماية الضحايا ومنع إفلات الجناة من العقاب.
وبجانب التشريع، تبرز أهمية الرقابة الصارمة على دور الرعاية والمؤسسات المعنية بالأطفال، من خلال لجان تفتيش مستقلة، وآليات إبلاغ آمنة، وفحوص دورية للعاملين نفسيًا وأخلاقيًا. ولا يقل عن ذلك أهمية دور التوعية المجتمعية، سواء للأسر أو للأطفال أنفسهم، حول مخاطر الاستغلال وسبل الحماية والإبلاغ.
حماية الأطفال مسئولية جماعية لا تحتمل الصمت أو التأجيل. فكل تهاون هو مشاركة غير مباشرة فى الجريمة، وكل خطوة جادة نحو الردع والحماية هى استثمار فى مستقبل أكثر أمانًا وعدلًا.