بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

رؤية حرة

بهدوء.. مصر تعيد رسم قواعد التوازن الإقليمي

على مدار السنوات الماضية، أثبتت مصر قدرتها على فرض حضورها في قلب الصراعات الكبرى بالمنطقة، وإعادة تشكيل المعادلات بما يخدم استقرارها ومصالحها، دون الانجرار إلى صدام مباشر، وقد جاءت زيارة الرئيس التركي رجب أردوغان للقاهرة بعد سنوات من التباعد لتؤكد تلك الرؤية، وتعلن بداية مرحلة جديدة من التعاون بين البلدين في ملفات استراتيجية، تشمل ضبط التحركات الإسرائيلية والتنسيق حول شرق المتوسط، ما يعكس توافقًا واضحًا في وجهات النظر حول القضايا الإقليمية الحساسة ويعزز مكانة مصر كقوة محورية في المنطقة.

وتجلت الحنكة المصرية في إدارتها للأزمات الإقليمية عبر مبادرات متعددة، أبرزها دورها في مؤتمر برلين 2020 حول ليبيا، ومساعي التهدئة في غزة، والمشاركة الفاعلة في منتدى غاز شرق المتوسط، وهو الواقع الذي يؤكد أن القاهرة نجحت في تحويل الأزمات إلى فرص لتعزيز الاستقرار وحماية المصالح الوطنية، مع تجنب ردود الفعل المتسرعة التي قد تهدد التوازن الإقليمي، وهو ما منحها قدرة على صياغة سياسة مرنة وفعالة تعكس نضج الدبلوماسية المصرية.

كما أبرزت مصر قوتها الدبلوماسية في ملفات السودان وليبيا وفلسطين، من خلال دعم جهود الأمم المتحدة للحوار، وتعزيز الدولة الوطنية، ورفض التهجير القسري، ما رفع من ثقلها السياسي في المنطقة، فجعلت أي خطوة مهمة تتطلب أخذ موقف القاهرة في الاعتبار، وعززت دورها في ترسيخ قواعد التوازن الإقليمي القائمة على الحفاظ على الدولة واستقرارها بعيدًا عن الانجرار لصراعات إقليمية مفتوحة.

ويكمن سر النفوذ المصري في القدرة على تحويل الخلافات إلى شراكات استراتيجية، وقد تجلى ذلك في التقارب المصري_التركي الذي تجاوز التنسيق الظرفي ليؤسس رؤية إقليمية مشتركة، ترتكز على منع التفكك والفوضى والحفاظ على الأمن والاستقرار الإقليمي، ويظهر ذلك في المواقف الموحدة تجاه ملفات حساسة مثل فلسطين وسوريا والسودان وليبيا ولبنان والصومال، كما شمل التنسيق منع التدخلات المسلحة الخارجية في الصراعات ووضع استراتيجيات طويلة المدى للحفاظ على التوازن الإقليمي.

حتى في ملف غاز شرق المتوسط، تحولت العلاقة من منطق التنافس إلى منطق التعاون الاقتصادي، مع وضع آليات مشتركة لتصدير الغاز وتطوير البنية التحتية، ما يعكس تحول التفاهم من خطوات مؤقتة إلى استراتيجية واضحة المعالم، وفي المحصلة، يمكن قراءة التنسيق بين مصر وتركيا باعتباره محاولة لإعادة إنتاج توازن إقليمي جديد، يرتكز على الدولة بدلًا من الميليشيات، والشراكة بدلًا من الصدام، في لحظة إقليمية شديدة السيولة والخطورة.