بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

اقتصاد الانتباه.. حين يتحول وعي الإنسان إلى سلعة!

في صمت الليل، حين تهدأ الأصوات، وتستسلم المدن والقرى لسكونها، يظل هناك ضوءٌ وحيدٌ ساهرٌ في الغرفات، يتنفس مع أنفاس صاحبه، يلمس خدَّه بلطف، ويغازل وعيه بنعومة.. إنه «الهاتف»، رفيق الليل والنهار، الصامت الذي لا يملُّ الكلام، والشاهد على أسرارنا، والشريك في جميع لحظاتنا.
ومع ميلاد الصباح، يفتح كلُّ إنسانٍ منا عينيه، بينما تمتد يده تلقائيًا نحو شاشة صغيرة تشتعل بإشعاراتٍ تُدار بخوارزميات مٌسيرة لا تنام، تنتظره كفخٍّ بصريٍّ معقّدٍ لاقتناص أثمن ما يملك، وهو «انتباهه».
هذه الخوارزميات جزءٌ من نظام مراقبة صارمٍ وغير مرئي، يرصد كل سلوكيات الإنسان: متى ينام ومتى يستيقظ؟ متى يفتح هاتفه، وأيَّ تطبيقٍ يزور أولًا؟ متى يغلقه، وكيف يستجيب لكل اهتزازةٍ أو رنين؟
كما تتعقب ما يبحث عنه في لحظات القلق أو الفضول، وترصد ما يضعه في المفضلة، كاشفةً عن شغفه، وما يحظره، كاشفةً عن مخاوفه.
كما تراقب هذه الخوارزميات ما يعجبه وما يكرهه، وما يسعده وما يحزنه، وترصد مدة بقائه داخل كل تطبيق، وزمن التحديق في كل منشور، وسرعة التمرير أو التوقف المفاجئ، بل وتقاسيم الوجه أمام محتوى معين، وحتى ومضات التردد قبل النقر.
كل هذه البيانات الصغيرة والمستمرة التي تجمعها الخوارزميات عنك هي «الذهب الخام» لاقتصاد جديد يولد بين يديك، وهو «اقتصاد الانتباه – Attention Economy»، اقتصاد لا يُقاس بعدد الأطنان ولا بعدد البراميل، بل بعدد الثواني والدقائق التي نمنحها، بمحض إرادتنا، لمحتوى أو منصّة أو علامة تجارية.
في هذا الاقتصاد المرعب، تحولت خصوصية الإنسان إلى «سلعة»، وأصبحت البيانات السلوكية والنفسية التي نمنحها هدية لتلك الخوارزميات «بضاعة» أغلى من البترول والذهب، بل وحتى المخدرات، إذ تُباع بالمليارات للمعلنين والمنصّات التي تشتري انتباهنا المُراقَب والمُفصَّل لتبيعه لأعلى سعر.
إنها خوارزميات صامتة تدير المشهد بلا أوامر مباشرة ولا إكراه ظاهر، لا تطلب انتباهك، لكنها تعرف كيف تحتفظ به، لا تفرض عليك المحتوى، لكنها تعرف ما يليق بك، وما يعيدك مرة أخرى، وهنا يتحول الانتباه من حالة ذهنية عابرة إلى عملةٍ وموردٍ نادر، ومن فعلٍ إنساني طبيعي إلى سلعة عالية القيمة.
«اقتصاد الانتباه» اقتصاد لا يُقاس بعدد المصانع ولا بحجم الموارد الطبيعية، بل بعدد الثواني التي تُنتزع من عمرك يوميًا. هنا لا يُباع المحتوى بقدر ما يُباع التركيز والانتباه، ولا تُستهدف العين فقط، بل يُعاد تشكيل الوعي والرغبة والاختيار.
في «بيزنيس الانتباه» لا يكون الإنسان هو العميل كما يتصور، بل المنتَج ذاته، حيث تتحول بياناته السلوكية والنفسية إلى رأس مال، وتُتداول في أسواق رقمية ضخمة، فتُباع لحظات التركيز لأعلى سعر، ويُعاد تدوير الانتباه في صورة إعلانات وتأثيرات وقرارات مُوجَّهة بعناية.
هكذا تحولت حياتنا الرقمية إلى مصنع مفتوح يعمل على مدار الساعة، ننتج فيه بياناتنا دون وعي، ونقدّم أسرارنا طواعية، بينما تدير الخوارزميات العملية بدقة مديرٍ لا يخطئ ولا يرحم، فكل ضعف إنساني، وكل فضول، وكل اهتمام، يتحول إلى مادة خام قابلة للتسعير والتداول.
إنه تحوّل عميق في طبيعة القيمة والثروة، فلم تعد السيطرة على الموارد المادية هي مفتاح القوة، بل القدرة على الاستحواذ على الوعي الإنساني، ولم يعد انتباهنا ملكًا خالصًا لنا، بل تحوّل إلى ساحة صراع مفتوحة، وعملة العصر التي لا ينافسها ذهب ولا نفط ومن يملكها اليوم يملك ملامح الغد.

تريليون دولار حجم اقتصاد الانتباه حول العالم

تشير التقارير الدولية الحديثة إلى أن الإنسان البالغ يقضي، في المتوسط، نحو 6 ساعات و38 دقيقة يوميًا على الإنترنت، منها حوالي ساعتين و21 دقيقة في شبكات التواصل الاجتماعي وحدها.
أما جيل الشباب الأحدث، الذي يُطلق عليه علميًا «جيل Z» — وهو الجيل الذي وُلد بين منتصف التسعينيات وعام 2010 — ويرى العالم من خلال الشاشة، ويصنع هويته في الفضاء الرقمي قبل الواقع، فيقضي أكثر من خمس ساعات يوميًا على منصات التواصل الاجتماعي، وفقًا للدراسات الإحصائية العالمية. وتحوّل هذه المشاهدات الطويلة إلى تجارة واقتصاد لا يعرف العواطف أو المشاعر.
هناك شركات عالمية متخصصة في هذا الاقتصاد، الذي يرى أن «عين الإنسان ووقته وتركيزه» من أندر الثروات، ومن هنا صُممت خوارزميات التوصية (Recommendation Algorithms) التي تراقب ما نحب وما نكره، وما نضغط عليه وما نتجاهله، ثم تعرض أمامنا في كل لحظة مقطع فيديو جديدًا أو منشورًا جديدًا أو قصة جديدة، فقط كي لا نغادر التطبيق.
ويقاس النجاح هنا بسؤال واحد: كم دقيقة اختُطفت من يومك؟ وكم مرة عدت إلى المنصة دون أن تشعر؟ وما حجم «التفاعل – Engagement» الذي شُغِّل به قلبك وعقلك وأصابعك؟
وعند النظر إلى الأرقام المالية، ندرك أن المسألة ليست مجرد «ترندات» عابرة، بل صناعة دولية هائلة، حيث تشير تقارير شركات قياس الإعلانات مثل MAGNA وGroupM إلى أن إجمالي الإنفاق الإعلاني العالمي تجاوز نحو 1.04 تريليون دولار عام 2024، وأن أكثر من ثلثي هذا المبلغ يذهب إلى الإعلانات الرقمية (Digital Advertising)، بما يشمل إعلانات البحث، ومنصات التواصل الاجتماعي، والفيديو، والإعلانات داخل التطبيقات والمتاجر الإلكترونية.
وهنا نجد أنفسنا أمام اقتصاد يتجاوز التريليون دولار، يقوم في جوهره على بيع حزم من انتباه البشر للمعلنين، وهو ما نراه جلياً في أرباح شركة Meta، المالكة لفيسبوك وإنستجرام وواتساب، والتي أعلنت إلى أنها حققت إيرادات إجمالية في 2023 بلغت 134.9 مليار دولار، منها نحو 131.95 مليار دولار من الإعلانات الرقمية الموجهة وحدها، أي عبر «خوارزميات الانتباه».
أما شركة Alphabet/Google، فتشير تقاريرها المالية إلى أن إيرادات جوجل الإعلانية (Google Advertising) وصلت عام 2024 إلى نحو 264.6 مليار دولار من إجمالي إيرادات تقارب 350 مليار دولار، ويأتي الجزء الأكبر من إعلانات البحث (Search Ads)، وإعلانات يوتيوب (YouTube Ads)، وشبكات الإعلانات القائمة على خوارزميات الانتباه.
ثم يأتي، بعد «ميتا» و«جوجل»، لاعب جديد يُلقب بـ«الطفل المعجزة» في اقتصاد الانتباه، وهو «تيك توك» (TikTok) فعلى الرغم من أن عمر المنصة لم يتجاوز عقدها الأول، تشير التقديرات إلى أنها حققت أكثر من 33 مليار دولار عام 2025، اعتمادًا على مليارات المقاطع القصيرة التي تقوم في جوهرها على استراتيجيات اقتصاد الانتباه.

قطار بيزنيس الانتباه يحصد الملايين في مصر؟

تشير التقارير الرقمية الحديثة إلى أن عدد مستخدمي الإنترنت في مصر يقترب من 98.2 مليون مستخدم، بنسبة انتشار تتجاوز 80% من السكان، مع وجود أكثر من 51.6 مليون حساب نشط على شبكات التواصل الاجتماعي، أي ما يقرب من نصف المصريين، وهو ما يعني أن مصر تمتلك كتلة حرجة من مستخدمي اقتصاد «الانتباه الرقمي»، يخضعون لقواعد منصّات عالمية تتحكم في مسارات المحتوى والتأثير، بما يفرض تحديات حقيقية تتعلق بتشكيل وعي الأجيال القادمة، والحفاظ على التماسك المجتمعي، وصون الأمن القومي، وهو ما يستدعي إعادة النظر في آليات السماح والمرور لمنصات التواصل الاجتماعي التي تعبث في مصر!.