بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

كبسولة فلسفية

فلسفة الانتظار.. بين الأمل واللاجدوى




يحدث أن تجد نفسك، يا عزيزي القارئ، واقفًا عند حافة زمنٍ لا يتحرك. كل شيء من حولك يسير، إلا اللحظة التي أنت فيها. وكأنك مُعلق بخيط رفيع بين ما تريد أن يحدث وما لا يحدث. والانتظار هنا ليس مجرّد وقت يمر... بل امتحان صامت يختبر صبرك، إيمانك، وقوة قلبك.
الانتظار في جوهره يشبه وعدًا مؤجّلًا، يشبه بابًا تعرف أنه قد يُفتح وقد يظل مغلقًا إلى الأبد. ومع ذلك، يا صديقي، نقف أمامه بحدسٍ غامض يخبرنا أن شيئًا يستحق سيأتي، ولو تأخر. ليس لأن الواقع يقول ذلك، لكن لأن داخل الإنسان قدرة عجيبة على التمسك بضوء خفيف، حتى لو كان هذا الضوء آخر ما تبقى.
ومع الوقت، يتحوّل الانتظار إلى حوار داخلي طويل. تسأل نفسك ألف مرة: هل أنا أنتظر لأنني مؤمن... أم لأنني خائف من الاعتراف بالخسارة؟ هل أنا متمسك بالأمل، أم هارب من الحقيقة؟ وفي كثير من الأحيان لا نجد الإجابة. لأن الانتظار، يا عزيزي، موقف معقّد؛ قد يكون شجاعة... وقد يكون هروبًا. وقد يكون محاولة لإنقاذ شيء، بينما هو لم يعد موجودًا أصلًا.
لكنّ أخطر ما في الانتظار، هو تلك المساحة الرمادية بين الحلم واللاجدوى. أنت لا تستطيع المغادرة، ولا تعرف إن كان البقاء سيمنحك شيئًا. فتعيش في منطقة معلّقة، لا تشبه الحياة ولا تشبه الموت. وهذا النوع من الانتظار يلتهم الأعمار دون ضجيج، ويجعل الأيام تتشابه كأنها صورة واحدة تتكرر كل يوم.
ومع ذلك، هناك لحظة صغيرة يا صديقي، تفصل بين انتظار مُنهك... وانتظار ناضج. لحظة تقول فيها لنفسك: سأنتظر، لكن لن أعيش مشلولًا. سأترك الباب مفتوحًا، لكنني لن أقف خلفه طوال عمري. سأحلم، ولكن دون أن أسمح للحلم أن يبتلع حياتي. هنا فقط يتحوّل الانتظار من عبء إلى قوة، ومن سجن إلى مساحة تأمل.
فلسفة الانتظار ليست أن تقف بلا نهاية، بل أن تعرف متى تنتظر... ومتى تُكمل الطريق دون أن تلتفت. والأهم أن تتذكر، يا عزيزي القارئ، أن الأشياء التي هي لك لن تحتاج أن تقتلك قلقًا، ولن تجعلك تعيش نصف حياة. ما كُتب لك سيأتي – لكن عليك أنت أن تعيش إلى أن يأتي، لا أن تتآكل حتى يصل.
كاتب في السرديات الثقافية وقضايا الشرق الأوسط
[email protected]