بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

عبدالرحمن الرافعي.. مؤرخ الحركة الوطنية وشاهدها الأمين

يُعدّ عبدالرحمن الرافعي واحدًا من أبرز المؤرخين المصريين في العصر الحديث، بل يمكن اعتباره المؤرخ الأهم للحركة الوطنية المصرية منذ أواخر القرن التاسع عشر وحتى قيام ثورة يوليو 1952م. فقد جمع الرافعي بين التأريخ والتجربة السياسية المباشرة، فكان شاهدًا على الأحداث التي كتب عنها، ومشاركًا فيها، مما منح كتاباته قيمة تاريخية خاصة، جعلتها مرجعًا لا غنى عنه لكل من يدرس تاريخ مصر السياسي الحديث.
أولًا: نشأته وتكوينه الفكري:
وُلد عبدالرحمن أحمد الرافعي في 8 فبراير 1889م، في فترة كانت مصر فيها ترزح تحت الاحتلال البريطاني، وتشهد تصاعدًا متزايدًا في الوعي الوطني. نشأ في بيئة وطنية، وتأثر منذ صغره بأفكار التحرر والاستقلال، وهو ما انعكس لاحقًا على مسيرته العلمية والسياسية.
التحق بكلية الحقوق، وتخرّج فيها، وعمل بالمحاماة، وهو ما أتاح له الاحتكاك بقضايا المجتمع والاحتلال والسلطة، كما منحه قدرة كبيرة على تحليل النصوص القانونية والدستورية، وهي مهارة واضحة في كتاباته التاريخية، خصوصًا عند تناوله لتطور نظم الحكم والدساتير المصرية.
ثانيًا: الرافعي والسياسة، المؤرخ المناضل لم يكن عبدالرحمن الرافعي مؤرخًا محايدًا بالمعنى السلبي للكلمة، بل كان مناضلًا وطنيًا، انخرط في العمل السياسي مبكرًا، وانضم إلى حزب الوفد، الحزب الذي قاد الحركة الوطنية المصرية بعد ثورة 1919م.
شارك الرافعي في الحياة السياسية، وعاصر قادة الحركة الوطنية مثل:
سعد زغلول، 
ومصطفى النحاس،
ومحمد فريد،
هذا القرب من صُنّاع الحدث جعله يكتب التاريخ من الداخل، لا من موقع المراقب البعيد، وهو ما أضفى على مؤلفاته طابعًا حيويًا، لكنه في الوقت نفسه أثار نقاشًا حول مدى موضوعيته، وهي نقطة سيأتي تناولها لاحقًا.
ثالثًا: منهجه في كتابة التاريخ
اتسم منهج عبدالرحمن الرافعي بعدة سمات رئيسة:
1-الاعتماد على الوثائق:
اعتمد الرافعي على الوثائق الرسمية، ومحاضر البرلمان، والخطب السياسية، والمراسلات، والصحف المعاصرة للأحداث، وهو ما منح كتاباته طابعًا توثيقيًا قويًا.
2- التسلسل الزمني الدقيق:
حرص على تتبع الأحداث خطوة بخطوة، وربط الأسباب بالنتائج، مما جعل كتبه مناسبة للدارسين والباحثين.
3-الانحياز الوطني الواعي:
لم يُخفِ الرافعي انحيازه للحركة الوطنية، واعتبر أن مهمة المؤرخ ليست الحياد المطلق، بل الدفاع عن قضايا الأمة في مواجهة الاحتلال، مع الالتزام بالأمانة العلمية.
4- الربط بين السياسة والمجتمع:
لم يقتصر على سرد الأحداث السياسية، بل تناول تأثيرها على المجتمع المصري، ودور الجماهير، والطلاب، والعمال، والصحافة.
رابعًا: الحركة الوطنية في كتابات الرافعي:
احتلت الحركة الوطنية المصرية جوهر اهتمام الرافعي، خاصة الفترة الممتدة من الاحتلال البريطاني عام 1882 وحتى ما بعد ثورة 1919م. وقدّم تحليلًا عميقًا لتطور الوعي القومي، وانتقاله من النخبوية إلى الشعبية.
ثورة 1919 أُنموذجًا
تُعدّ كتابات الرافعي عن ثورة 1919 من أهم ما كُتب عنها؛ حيث اعتبرها:
أول ثورة شعبية شاملة في تاريخ مصر الحديث،
لحظة ميلاد الأمة المصرية الحديثة،
تعبيرًا عن وحدة الهلال مع الصليب،
وقد ركّز على دور الجماهير، والطلاب، والمرأة، والنقابات، مؤكدًا أن الثورة لم تكن مجرد تحرك سياسي للنخبة، بل انفجارًا وطنيًا عامًا.
خامسًا: أبرز مؤلفات عبدالرحمن الرافعي:
خلّف الرافعي تراثًا ضخمًا من الكتب، من أهمها:
ثورة 1919م: تاريخ مصر القومي من عام 1914 إلى عام 1921م.
يُعد من أهم المراجع عن الثورة، ويجمع بين السرد التاريخي والتحليل السياسي.
تاريخ الحركة القومية وتطور نظام الحكم في مصر:
يتناول تطور الحياة الدستورية والبرلمانية، وصراع المصريين من أجل الحكم النيابي.
في أعقاب الثورة المصرية
يركز على ما بعد 1919، والتحديات التي واجهت الحركة الوطنية.
مصطفى كامل باعث الحركة الوطنية:
سيرة سياسية تُبرز دور مصطفى كامل في إيقاظ الوعي القومي.
محمد فريد رمز الإخلاص والتضحية:
يُبرز فيه شخصية محمد فريد كنموذج للمناضل الوطني.
سادسًا: الرافعي بين الموضوعية والانحياز
تعرض عبدالرحمن الرافعي لانتقادات من بعض الباحثين، الذين رأوا أنه:
بالغ في تمجيد حزب الوفد
قلّل من أخطاء بعض الزعماء الوطنيين
كان قاسيًا في حكمه على خصوم الحركة الوطنية
لكن في المقابل، يرى كثير من المؤرخين أن:
انحيازه كان انحيازًا وطنيًا واعيًا لا تشويهًا للحقائق
اعتماده على الوثائق يمنح كتاباته مصداقية عالية،
كل مؤرخ يكتب من زاوية فكرية معينة، والرافعي كان واضحًا في زاويته.
سابعًا: قيمته في دراسة التاريخ المصري الحديث
لا يمكن لأي باحث في تاريخ مصر الحديث أن يتجاوز أعمال عبدالرحمن الرافعي، خاصة عند دراسة:
الاحتلال البريطاني،
الحركة الوطنية،
ثورة 1919م،
تطور النظام النيابي والدستوري.

وتُعد كتبه مرجعًا أساسيًا في الدراسات التاريخية والسياسية.

   خلاصة القول، يظل عبدالرحمن الرافعي أنمُوذجًا فريدًا للمؤرخ الوطني الذي جمع بين الأمانة العلمية والالتزام القومي، فكتب تاريخ مصر الحديث بروح المناضل ودقة الباحث. ورغم ما قد يؤخذ عليه من انحياز، فإن أعماله تظل حجر أساس لا غنى عنه لفهم الحركة الوطنية المصرية وتطور الوعي السياسي في مصر.
لقد آمن الرافعي بأن التاريخ ليس مجرد تسجيل للأحداث، بل رسالة ووعي ومسؤولية، وهو ما يجعل اسمه حاضرًا بقوة في كل نقاش جاد حول تاريخ مصر الحديث.

أستاذ التاريخ الحديث المعاصر بجامعة عين شمس