بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

قصب السكر.. مرارة بطعم الخسارة

بوابة الوفد الإلكترونية

تشهد صناعة قصب السكر فى مصر العديد من التحديات العميقة التى تؤثر سلبًا على المزارعين والاقتصاد المحلى، فى ظل تدنى أسعار التوريد، حيث يواجه الفلاحون صعوبات كبيرة فى تحقيق أرباح تكفى لتغطية تكاليف الإنتاج المتزايدة.
ومع ارتفاع أسعار الأسمدة والوقود والأيدى العاملة، فضلاً عن زيادة إيجارات الأراضى الزراعية، باتت الفجوة بين تكلفة الإنتاج وأسعار التوريد تهدد استقرار المزارعين واستمرارهم فى هذا المجال.
هذه الأزمة تعكس حاجة ملحة إلى استراتيجيات جديدة لدعم الإنتاج الزراعى وضمان توفير أسعار عادلة للمزارعين، وذلك من خلال تعزيز السياسات الحكومية وتطوير نظم الدعم الفنى والمالى، إن معالجة هذه التحديات لن تساهم فقط فى تحسين أوضاع المزارعين، بل ستعزز أيضًا الأمن الغذائى فى البلاد وتعزز الاقتصاد الوطنى.

 

تكاليف الإنتاج وتدنى الأسعار.. مشاكل تبحث عن حل فى سوهاج

 

«يا أبو اللبايش يا قصب عندنا فرح واتنصب.. جابوا السرير على قدها نزلت تفرج عمها.. قال يا حلاوة شعرها تسلم عيون اللى خطب»، هذه الكلمات التى يتغنى بها المزارعين بمحافظة سوهاج مع بدء موسم حصاد وتوريد قصب السكر بمراكز دار السلام والبلينا وجرجا والمراغة وتوريد ناتج المحصول إلى مصنع السكر والتكرير بجرجا.
يعتبر قصب السكر محصولًا استراتيجيًا يدعم الإقتصاد المحلى والقومى، حيث يسهم بنسبة كبيرة فى إنتاج السكر فى مصر، وهو من المحاصيل الاستراتيجية الهامة بمحافظة سوهاج، حيث تبلغ المساحة المنزرعة نحو 18  ألف فدان، يتركز معظمها فى مركز دار السلام أكبر المراكز زراعة للمحصول 11 ألف فدان، وجرجا والبلينا 7 آلاف فدان، ويتم توريد المحصول إلى مصانع السكر والتكرير بجرجا (المقام عام 1984)، والذى يعد ركيزة صناعية هامة، ويقوم بإنتاج السكر المبلور، والمولاس، والكحول، والخل، وخميرة الأعلاف، بالإضافة إلى الخشب الحبيبى.
يعد قصب السكر من المحاصيل الإستراتيجية والهامة بمحافظة سوهاج، والتى جاءت بالمركز الثانى فى زراعته بعد محافظة قنا، حيث وصلت مساحة الأراضى المنزرعة بالمحصول فى بداية تشغيل مصانع السكر والتكرير بجرجا منذ 27 عاما إلى أكثر من 70 ألف فدان، ولكن تقلصت المساحة حاليا لتصل إلى 18 ألف فدان، وذلك لأسباب كثيرة منها تدنى الأسعار التى تحددها الحكومة لاستلام المحاصيل من المزارعين فى ظل الارتفاع الجنونى لأسعار الأسمدة، والسولار، والأيدى العاملة، ناهيك عن مماطلة المصنع فى تسليم ثمن المحاصيل للمزارعين، والسرقات المتكررة أثناء نقل المحصول للمصنع، وتعطل وتهالك معظم خطوط الديكوفيل الخاصة بنقل محصول قصب السكر من الحقول إلى المصانع.
ويواجه مزارعو القصب تحديات تشمل الحاجة إلى توفير حصص الكيماوى بأسعار مناسبة، ومشكلات الرى والأيدى العاملة، مما يتطلب دعمًا مستمرًا لضمان استمرارية هذا المحصول الحيوى.
وعند بداية موسم حصاد قصب السكر فى شهر فبراير من كل عام، تتعالى صيحات ومناشدات واستغاثات المزارعين حتى أصبحت الشكوى هى السمة السائدة لهم كل عام، ولكنها تزايدت هذا العام مع ارتفاع أسعار تكلفة زراعة المحصول، وارتفاع أسعار السماد والسولار والأيدى العاملة، بالإضافة لزيادة سعر النقل.
وكانت الحكومة قد أعلنت أسعارًا استرشادية لتوريد قصب السكر، حيث تم تحديد سعر 2500 جنيه للطن لموسم 2025-2026 مقارنة بـ 1500 جنيه فى 2024 لزيادة دخل المزارعين.
وقال مظهر عبد الرحمن، أحد المزارعين، إن زراعة محصول قصب السكر فى سوهاج شهدت تراجعا كبيرا فى المساحات المنزرعة وكذلك الكميات المنتجة من كل فدان فى السنوات الماضية وخاصة العامين الماضيين نتيجة للارتفاعات التى طرأت على أسعار الوقود والأسمدة الكيماوية والأيدى العاملة والتى تعتبر من مقومات وأعمدة إنتاج قصب السكر وتعدى أجر العامل 300 جنيه فى اليوم بجانب وجبتى الإفطار والغداء مما كان له تأثيرًا مباشرا فى ارتفاع تكلفته وقلة العائد المادى من زراعته مؤكدا أن المحصول حاليا يمثل عبئا لأنه لا يدر أى مكسب مشددا على أن استمرار الحكومة فى سلوك هذا النهج يجبر المزارعين بالعزوف عن زراعته.
وقال عبد الخالق أحمد، مزارع، إن الكمية التى يصرفها التعاون الزراعى من الأسمدة الكيماوية للفدان لا تفى بالغرض مما يجبر المزارعين بتعويض هذا النقص عن طريق الاستعانة بالسوق السوداء متحملين فارق السعر المرتفع مؤكدا أن الاسمدة المطروحة حاليا لا تفى بالغرض ولا تعطى نبات القصب ما يحتاجه من عناصر مغذية له وللتربة مطالبا بعودة سماد الأزوت إنتاج شركة أبو قير أمثال «السماد المخصوص» بأنواعه وهذا ما يتماشى مع نبات القصب نظرا لطبيعة النبات التى تحتاج إلى عناصر معينة لكى يعطى إنتاجية عالية.
وحمل مزارعو القصب بمحافظة سوهاج وزارتى الزراعة والتموين مسئولية تراجع المساحات المنزرعة من القصب والتى كانت تساهم فى معيشة آلاف الاسر بسبب عدم استنباط أصناف جديدة تعمل على زيادة الإنتاجية منذ اكثر من 25 سنة وعدم وجود خطة لتلاشى أمراض زراعات القصب من نوعية س 9 والمماطلة فى صرف مستحقات توريد المحصول وعدم إعادة النظر فى العقود المبرمة بين مزارعى القصب وشركة السكر للصناعات التكاملية منذ الستينيات بجانب مشاكل النقل ونقص الأسمدة وارتفاع التكاليف الزراعية التى أرهقت المزارع وتعرضه لخسائر فادحة بعد انتظار عام كامل للمحصول لتسديد الالتزامات المالية لبنك التنمية وعدم فحص التربة وتحليلها لإعادة تقدير الاحتياجات السمادية للمحصول.
وقال أحمد عبد الرحيم فقير، أمين عام الفلاحين بمحافظة سوهاج، إن محصول قصب السكر يمكث فى الأرض لمدة عام كامل، ويبدأ توريد المحصول بنهاية العام، وينتهى التوريد فى شهر أبريل من كل عام، موضحا أن هناك شريحة من المزارعين يفضلون بيع محصول القصب إلى أصحاب محلات العصير لأنهم يحققون أرباحا أكبر من بيع المحصول لمصانع السكر والتكرير بجرجا.
وأشار أمين الفلاحين إلى أن متوسط انتاج الفدان من محصول القصب يبلغ حوالى 45 طنا، وفى حال بيعه لمصنع السكر حسب أسعار 2025 التى أعلنتها الحكومة هو 2500 جنيه للطن، أما فى حال بيعه لمحلات العصير فيصل سعر الطن إلى 4 آلاف جنيه، أى أن المزارع يربح ضعف القيمة التى يمنحها له مصنع سكر جرجا، موضحا أن الارتفاع الكبير فى أسعار السولار والأسمدة قلص بشكل كبير المساحات المنزرعة، مشيرا إلى أن المزارع يعمل فى أرضه طوال عام كامل وتساعده أسرته، ولا يجنى سوى المر من زراعة محصول القصب.
وأكد «فقير» أن محافظة سوهاج كانت تزرع حوالى 50 ألف فدان قصب وتراجعت تلك المساحة إلى 18 ألف فدان، وهذه الكمية غير كافية لاحتياجات مصنع السكر، ويضطر المصنع لجلب المحصول من محافظات مجاورة لسد العجز، مؤكدا أن سبب التراجع فى المساحات المنزرعة يرجع للخسائر التى يسببها محصول القصب للمزارعين، لأن النبات يمكث فى الأرض لمدة عام كامل ويحتاج لمجهود كبير فى الزراعة.
وأوضح «فقير» أنه لابد من رؤية وسياسة زراعية واضحة تعمل على خدمة الفلاح وحل جميع المعوقات وخاصة مشاكل مزارعى قصب السكر والاهتمام بالمحاصيل السكرية لزيادة الإنتاجية وسد العجز بين الإنتاج والإستهلاك وذلك عن طريق زيادة إنتاجية قصب السكر بالتوسع الرأسى وتدعيم برامج التربية لإنتاج أصناف متميزة كمًا ونوعًا وكذلك استخدام أحدث الوسائل لمقاومة الأمراض والحشرات وتقديم الدعم الكامل فيما يخص توفير مستلزمات الإنتاج وخاصة الأسمدة وإزالة المعوقات التى تواجههم ومنها مشاكل النقل والقروض وفحص التربة وتحليل عدد من العينات بأحواض مختلفة لإعادة تقدير الاحتياجات السمادية لمحصول قصب السكر.

 

المزارعون ينتظرون صرف المستحقات

بدأت مصانع السكر فى محافظة قنا، فى استلام محصول القصب من المزارعين للموسم الحالى، وقال الكيميائى حسن جابر، رئيس قطاعات مصانع قوص جنوب قنا، إن الخطة التشغيلية لهذا العام، والتى تطمح لتحقيق طفرة إنتاجية من خلال استهداف استلام مليون و100 ألف طن من قصب السكر، بطاقة يومية تهدف لعصر 11,200 طنًا من المحصول يوميًا، ومستهدف إنتاجية يصل إلى 120 ألف طن من السكر الأبيض عالى الجودة، بجانب إنتاج 45 ألف طن من «المولاس». 
وتوجد فى محافظة قنا ثلاثة مصانع استخراج وتكرير السكر بمراكز: نجع حمادى، قوص، ودشنا، ويبلغ إنتاج الثلاث مصانع الموجودة بحيز محافظة قنا وهى أكبر المحافظات المستزرعة لمحصول القصب،  395 ألف طن من السكر سنويًا، إذا تبلغ الطاقة الإنتاجية لمصنع نجع حمادى 150 ألف طن، ومصنع قوص 170 ألف طن، ومصنع دشنا 75 ألف طن من السكر سنويًا. 
وحضر الدكتور خالد عبد الحليم، محافظ قنا، بدء موسم عصير القصب بمصنع قوص ودشنا خلال الأيام الماضية، فى حين بدأ مصنع سكر نجع حمادى بالفعل استلام توريدات المحصول مع المزارعين المتعاقدين فى حيز المصنع بمركز نجع حمادى. 
وقال أحد المزارعين المتعاقدين مع مصنع سكر دشنا، شمال قنا، مفضلًا عدم ذكر اسمه، إن الموسم الزراعى كان مرهقًا للغاية بسبب غلاء أسعار السماد وعدم توفره، مطالبًا بسرعة صرف المستحقات عقب عملية التوريد لسداد نفقات الزراعة، وأجور العمالة أثناء حصاد المحصول، مبينًا إنه من المنتظر أن تقوم شركة السكر بتحويل المستحقات على حسابات المزارعين البنكية عقب توريد المحصول. 
وأوضح لـ «الوفد»، أن نفقات نقل المحصول من الزراعات إلى الخطوط الناقلة إلى مصنع السكر أصبحت مرتفعة بسبب ارتفاع يومية
 العمالة حيث تترواح من 170 إلى 250 جنيهًا للعامل الواحد حسب كل منطقة، منوهًا أن تكلفة نقل المحصول من الفدان الواحد أصبحت مرهقة؛ بسبب التضخم، رغم رفع سعر توريد القصب إلى ألفين وخمسمائة جنية عن الطن الواحد. 
فى السياق ذاته، كانت المحافظة قد استعدت لموسم حصاد قصب السكر، لتيسير عملية نقل المحصول من الزراعات وصولًا إلى المصانع، بما يحقق انسيابية الحركة المرورية، وحفاظًا على أرواح المواطنين.  
ونبه الدكتور خالد عبد الحليم، محافظ قنا، على عدم وقوف الجرارات والسيارات المحملة بمحصول القصب، على الطرق الرئيسية والفرعية نهارًا أو ليلًا، إلا فى حالات الضرورة القصوى، مع التأكيد على التزام جميع الجرارات بوضع عاكس ومثلثات فسفورية، على الجرارات والمقطورات، لتأمين الرؤية ليلًا.
 وشدد أنه فى حالة السير ليلًا تلتزم الجرارات والسيارات «المحملة والغير محملة» بتشغيل الإنارة بها وذلك لتلافى وقوع حوادث، بجانب عدم قيام الجرارات بقطر وشد أكثر من عدد ٢ مقطورة، للحد من وقوع حوادث الطرق والحفاظ على السلامة العامة للمواطنين، ومن جانبها قامت الوحدات المحلية بالمراكز برفع كفاءة وصيانة منظومة الإنارة على الطرق الزراعية التى توجد بها مسارات شاحنات محصول قصب السكر. 
ولم تمنع التدابير المُتخذة لتأمين حركة الطرق خلال نقل المحصول، من وقوع حوادث، حيث تعطل طريق قرية «العجالين» بمركز قوص جنوب قنا، إثر انقلاب مقطورة محملة بالقصب بسبب خلل مفاجئ فى أحد إطاراتها.

 

.. و٢٥٠٠ جنيه للطن خسارة للفلاحين

منذ مئات السنين، عرف الصعيد بزراعة القصب، وارتبطت أعواده الطويلة بتاريخ الأرض والناس معًا، وأصبح يمثل موسم «كسر» قصب السكر حدثا زراعيا مهما، لما له من دور أساسى فى دعم صناعة السكر وتعزيز الاقتصاد الزراعى ويمثل مصدر دخل رئيسيا لآلاف الأسر.
يشهد قطاع زراعة قصب السكر فى محافظة أسيوط خلال عام 2026 أزمة حادة، تتفاقم مع تدهور الأسعار وصعوبات توريد المحصول، بجانب الحصول على المستحقات المالية بعد التوريد، مما يهدد سبل عيش آلاف المزارعين ويهدد مستقبل الزراعة السكرية فى المحافظة.
يشتكى المزارعون من انخفاض أسعار قصب السكر بشكل ملحوظ مقارنة بتكاليف الإنتاج المتزايدة، حيث يبلغ سعر الطن حاليًا 2500 جنيه وهو السعر الذى تم توريد المحصول عليه فى العام الماضى، وهو ما يعتبره المزارعون «غير مجدٍ اقتصاديًا». 
قال الحاج محمد عبد الرحيم، أحد مزارعى قصب السكر بقرية الزرابى بمركز أبوتيج: «تكلفة زراعة فدان قصب السكر تتجاوز ال60 الف جنيه، بينما لا نحصل على عائد مناسب يغطى هذه التكاليف، بل نخسر فى كل عام».
بالإضافة إلى الأسعار المتدنية، يواجه المزارعون صعوبات كبيرة فى توريد محصولهم لمصانع السكر التابعة لشركة السكر والصناعات الغذائية، حيث يضطرون إلى الانتظار لفترات طويلة فى طوابير طويلة، مما يؤدى إلى تلف وسرقة المحصول وزيادة الخسائر.
وأشار المهندس أحمد على، وهو مزارع آخر، إلى أن نظام التوريد الحالى غير فعال، ويحتاج إلى تطوير وتحديث لضمان وصول المحصول إلى المصانع فى الوقت المناسب.
تتسبب هذه الأزمة فى تدهور الأوضاع المعيشية للمزارعين، مما يدفع البعض إلى التخلى عن زراعة قصب السكر والاتجاه إلى زراعات أخرى، أو الهجرة إلى المدن بحثًا عن فرص عمل. 
وأضاف «على»، أن استمرار هذه الأزمة سيؤدى إلى تقليل المساحات المزروعة بقصب السكر، مما يهدد الأمن القومى للسكر ويؤثر على الاقتصاد المحلى للمحافظة، حيث أن أسيوط كانت قديما تزرع محصول قصب السكر بمساحات كبيرة، إلا أن ارتفاع التكاليف ومعاناة التوريد وزيادة الأعباء، مشكلات جعلت الفلاح يعزف عن زراعته.
يقول محمد الأسيوطى، أحد المزارعين القدامى لمحصول القصب، إن المحصول شبه انقرض من محافظة أسيوط: «القصب زمان كان يملأ الغيطان، والاهالى كانوا يزرعونه بكميات وأنواع مختلفة، دلوقتى ما بقيناش نشوف غير مساحات محدودة، بالكاد تباع فى الأسواق، وبتيجى غالية على المستهلك البسيط، بعدما كان القصب محصول كل الناس».
وطالب المزارعون بمحافظة أسيوط ضرورة تدخل الحكومة لرفع أسعار قصب السكر بما يتناسب مع تكاليف الإنتاج، وتسهيل إجراءات التوريد، وتوفير الدعم اللازم للمزارعين لمساعدتهم على الاستمرار فى زراعة هذا المحصول الاستراتيجى.