جدل بمجلس الشيوخ والمواطنون خائفون يترقبون:
الضريبة العقارية «وجع » فى قلوب المصريين
مطالب برفع حد الاعفاء للسكن الخاص..والحكومة تبحث عن موارد جديدة
خبراء: التعديلات يجب أن تحمى الفئات الأكثر تضررا
43 مليون وحدة خارج الضريبة من إجمالى 45 مليونًا
وسط حالة من الترقب الشعبى لأى تشريع جديد يمس الأعباء المالية على المواطنين، ناقش مجلس الشيوخ تقرير لجنة الشئون المالية والاقتصادية والاستثمار بشأن مشروع القانون المقدم من الحكومة لتعديل بعض أحكام قانون الضريبة على العقارات المبنية رقم 196 لسنة 2008، وذلك بحضور أحمد كجوك، وزير المالية، فى جلسة شهدت نقاشات موسعة حول فلسفة القانون وأهدافه.
التعديلات التى أقرها المجلس من حيث المبدأ، وتستكمل مناقشة موادها، تأتى فى توقيت بالغ الحساسية، فى ظل شكاوى متصاعدة من المواطنين بشأن الضرائب العقارية، واتهامات متكررة بتحولها من أداة لتحقيق العدالة الضريبية إلى عبء إضافي، لا يراعى الظروف الاقتصادية ولا الدخل الحقيقى للمكلفين. بينما تؤكد الحكومة أن مشروع القانون يستهدف تخفيف الأعباء، ورفع حد الإعفاء، ومعالجة حالات عدم الانتفاع بالعقار، وتبسيط الإجراءات.
ويُنظم قانون الضريبة على العقارات المبنية، الصادر بالقانون رقم 196 لسنة 2008، فرض ضريبة سنوية على جميع العقارات المبنية داخل جمهورية مصر العربية، أيا كان نوعها أو الغرض من استخدامها، سواء كانت سكنية أو تجارية أو إدارية أو صناعية، طالما كانت قائمة على أرض مصر ومتصلة بها اتصال قرار.
ويقوم القانون على احتساب الضريبة على أساس القيمة الإيجارية السنوية للعقار، باعتبار أن العقار يمثل وعاءً ضريبيًا ثابتًا، ويمكن لصاحبه الانتفاع به أو تحقيق دخل منه، حتى وإن لم يكن مستغلًا فعليًا، وتُحدد القيمة الإيجارية من خلال لجان الحصر والتقدير التابعة لمصلحة الضرائب العقارية، وفق معايير تتعلق بموقع العقار، ومستوى البناء، وطبيعة الاستخدام، ومتوسط الإيجارات السائدة فى المنطقة.
وتُفرض الضريبة بنسبة 10% من صافى القيمة الإيجارية السنوية، بعد خصم نسبة من القيمة مقابل مصروفات الصيانة، تختلف بحسب كون العقار سكنيًا أو غير سكني، ويُلزم القانون مالك العقار أو من له حق الانتفاع به بتقديم إقرار ضريبي، وسداد الضريبة فى المواعيد المحددة، مع توقيع مقابل تأخير فى حال عدم الالتزام بالسداد.
ويتضمن القانون إعفاءات محددة، أبرزها إعفاء الوحدة السكنية التى يتخذها المكلف مسكنًا رئيسيًا له ولأسرته، فى حدود حد الإعفاء الضريبى المقرر قانونًا، إلى جانب إعفاء العقارات المملوكة للدولة والمخصصة للنفع العام، ودور العبادة، والمقابر، والمنشآت التعليمية والصحية غير الهادفة للربح.
ويجيز القانون رفع الضريبة مؤقتًا فى حالات عدم الانتفاع بالعقار، أو فى حال تهدمه كليًا أو جزئيًا، بما يحول دون استغلاله، وذلك وفق ضوابط وإجراءات تحددها اللائحة التنفيذية، كما يتيح للممول الحق فى الطعن على التقدير الضريبى أمام لجان مختصة، خلال مدد زمنية محددة.
تمويل الموازنة العامة
وترتكز فلسفة قانون الضريبة العقارية على تحقيق قدر من العدالة الضريبية، من خلال مساهمة أصحاب الثروة العقارية فى تمويل الموازنة العامة للدولة ودعم الخدمات المحلية، إلا أن تطبيقه العملى أثار جدلًا واسعًا، خاصة فيما يتعلق بتقدير القيم الإيجارية وفرض الضريبة على وحدات لا تحقق دخلاً فعليًا، وهو ما دفع الحكومة والبرلمان إلى إدخال تعديلات متتالية لتخفيف الأعباء ومعالجة أوجه القصور.
ويرصد هذا التحقيق تفاصيل التعديلات المقترحة، ويطرح تساؤلات حول مدى انعكاسها الحقيقى على المواطن، خاصة محدودى ومتوسطى الدخل، وهل تمثل هذه التعديلات انفراجة حقيقية، أم مجرد تحسينات شكلية على قانون مثير للجدل منذ صدوره.
ملاك العقارات.. عبء لا نحتمله
ويطالب حسين.م موظف بالمعاش ومالك عقار فى إحدى المناطق الشعبية برفع حد الإعفاء الضريبي، "لأن البيت ده سكنى، ومش بيدخل لى أى دخل، ادفع ضريبة وأنا أصلًا معاشى مش مكفى الأكل والعلاج، عشان كدة لازم الحكومة تراعى تخفيف الضريبة على أمثالى دى مسألة حياة أو موت".
ويتساءل "كيف يتم فرض ضريبة عقارية على المنزل رغم عدم تحقيق أى عائد"، مؤكدا أن الإعفاء طبيعى للسكن الأساسي.
أما منى.ع، ربة منزل وتمتلك عقارا ورثته عن والدها، فتقول: "المشكلة مش فى الإعفاء نفسه، المشكلة إن القانون بيعامل البيت اللى تمنه ملايين زي اللى تمنه مئات الآلاف، طالما الاتنين سكن أساسى فين العدالة؟". وترى أن العدالة الحقيقية تقتضى ربط الضريبة بقيمة العقار الفعلية، وليس فقط بكونه مسكنًا رئيسيًا.
نمتلك عقارين ولسنا أثرياء
من جانبه، يقول سيد.ع، مالك عقارين فى محافظة الجيزة: "الناس فاكرة إن أى حد عنده أكتر من بيت يبقى مليونير، وده مش حقيقى أنا قاعد فى بيت صغير وولادى فى بيت تانى احنا فى أمس الحاجة لرفع حد الإعفاء".
ويطالب بإعادة النظر فى تعريف «الثروة العقارية» وعدم الخلط بين صغار الملاك وشركات التطوير العقاري.
ويؤكد عبد الرحمن مالك عقار قديم بالعمرانية "عندى عمارة إيجار قديم، العائد منها ضعيف جدًا، ومع ذلك بدفع ضريبة عقارية محسوبة على القيمة السوقية الحالية، مش على الدخل الحقيقى ده ظلم واضح". ويشير إلى أن القانون الحالى لا يراعى الفروق بين العقارات المنتجة وغير المنتجة للدخل.
نرفض شيطنة ملاك العقارات
على الجانب الآخر، يرى محمود.س، مستثمر عقارى أنه ليس كل مالك عقار فاسدا أو متهربا، "إحنا بندفع ضرائب ورسوم كتير، من تراخيص وبناء وصيانة، لذلك فرفع الإعفاء حق طبيعى فى ظل الغلاء". ويرفض تحميل ملاك العقارات مسئولية تمويل العجز، معتبرًا أن الحل فى توسيع القاعدة الضريبية وليس الضغط على فئة بعينها.
الإعفاءات الواسعة تهدد موارد الدولة
وفى رأى مخالف، يقول أحمد.ر، مالك وحدة سكنية: أنا مش ضد الضريبة، بالعكس شايف إن اللى عنده قدرة لازم يدفع المشكلة إن الإعفاءات بتزيد لدرجة تخلى الضريبة بلا قيمة، وده هيأثر على خدمات الدولة. ويؤكد أن العدالة الضريبية تتطلب مساهمة أكبر من أصحاب العقارات ذات القسمة المرتفعة.
وتقول السيدة فاطمة.م، مالكة عقار: "القوانين دايمًا شكلها حلو على الورق، لكن المشكلة فى التطبيق، اثبات عدم الانتفاع أو القوة القاهرة صعب، وبنلف بين المأموريات سنين". مطالبة بآليات واضحة وسهلة تضمن تنفيذ التعديلات دون تعقيدات بيروقراطية.
مراعاة البعد الاجتماعي
وفى هذا الشأن، قال الدكتور صالح عزب الخبير الاقتصادي، إن رفع حد الإعفاء الضريبى للمسكن الخاص لا يمكن فصله عن البعد الاجتماعي، خاصة فى ظل الظروف الاقتصادية الراهنة، التى تشهد ارتفاعًا غير مسبوق فى معدلات التضخم، وزيادة كبيرة فى تكاليف البناء، إلى جانب القفزات الملحوظة فى القيم السوقية والإيجارية للعقارات خلال السنوات الأخيرة.
وأكد أن أى تعديل تشريعى فى هذا التوقيت يجب أن ينطلق بالأساس من حماية الفئات الأكثر تضررًا، وعلى رأسها الطبقة الفقيرة والمتوسطة، التى تواجه أعباء معيشية متراكمة.
وأوضح عزب أن الاتجاه نحو رفع حد الإعفاء الضريبي، سواء إلى 50 ألف جنيه أو المطالبة برفعه إلى 100 ألف جنيه، يعكس من حيث المبدأ اعترافًا بضرورة مراعاة البعد الاجتماعي، إلا أن الإشكالية الحقيقية لا تكمن فقط فى قيمة الإعفاء، وإنما فى فلسفته وآليات تطبيقه، فقصر الإعفاء على وحدة سكنية واحدة تتخذ مسكنًا رئيسيًا للأسرة قد يبدو ظاهريًا تحقيقًا للعدالة الضريبية، لكنه فى الواقع يثير تساؤلات جوهرية حول مفهوم العدالة ذاته.
وأشار إلى أن هذا النهج يساوى عمليًا بين وحدات سكنية تختلف جذريًا فى قيمتها، حيث يعامل العقار الذى تبلغ قيمته مليونى جنيه، والعقار الذى تصل قيمته إلى 200 مليون جنيه، المعاملة الضريبية نفسها طالما اعتُبرا مسكنًا رئيسيًا، وهو ما يعكس خللًا واضحًا فى العدالة الضريبية، خاصة فى ظل التفاوت الكبير فى الثروة العقارية بين شرائح المجتمع.
وأكد الخبير الاقتصادى أن الثروة العقارية فى مصر تُقدّر بنحو 10 تريليونات جنيه، تمثل قرابة 20% من الناتج المحلى الإجمالي، ورغم ذلك لا تتجاوز حصيلة الضريبة العقارية 4 مليارات جنيه فقط، وهو ما يعكس خللًا واضحًا فى منظومة التحصيل، ويطرح تساؤلات حول كفاءة النظام الضريبى فى استغلال أحد أكبر أوعية الثروة فى الاقتصاد المصري.
وأضاف أن تعديل القانون، الذى يرفع حد الإعفاء إلى 50 ألف جنيه، سيترتب عليه إعفاء نحو 43 مليون وحدة سكنية من إجمالى 45 مليون وحدة، أى أن الضريبة ستُطبق فعليًا على قرابة مليونى وحدة فقط. ورغم هذا الإعفاء الواسع، لا يزال بعض أعضاء مجلس الشيوخ يطالبون برفع حد الإعفاء إلى 100 ألف جنيه، وهو ما يعنى عمليًا إعفاء وحدات سكنية تصل قيمتها إلى نحو 10 ملايين جنيه.
واعتبر عزب أن هذه المطالبات تعكس نفوذ ما وصفه بـ«كارتلات التطوير العقاري» داخل أروقة التشريع، محذرًا من أن التوسع فى الإعفاءات، خاصة لصالح القادرين، لا يهدد فقط الحصيلة الضريبية، بل يبعث برسالة خطيرة مفادها أن العبء الضريبى يمكن الالتفاف عليه لصالح أصحاب الثروات، بينما تتحمل الفئات الأضعف تبعات ارتفاع الأسعار والضرائب غير المباشرة.
وأكد أن العدالة الضريبية الحقيقية لا تتحقق بتوسيع الإعفاءات بلا ضوابط، وإنما بإعادة توزيع الأعباء بما يراعى الفوارق الحقيقية فى الثروة والدخل.
تطور سوق العقارات
من ناحية أخرى، يرى الدكتور عبدالنبى عبدالمطلب الخبير الاقتصادى أن أى تعديل يطرأ على قانون الضرائب العقارية يأتى بالضرورة متسقًا مع التطورات المتلاحقة فى سوق العقارات، أو على الأقل يهدف إلى تلافى بعض أوجه القصور والأخطاء التى شابت القوانين السابقة، فمجرد طرح فكرة التعديلات يعكس أننا أمام مرحلة أكثر تطورًا فى تنظيم منظومة الضرائب العقارية، بما يفترض أن يسهم فى تحقيق قدر أكبر من الانضباط والوضوح داخل السوق.
وأوضح عبدالمطلب أن هذه التعديلات، من حيث المبدأ، ينبغى أن تؤدى إلى تسهيل حركة سوق العقارات لا إلى تعقيدها، إلا أن الواقع يشير إلى أن المشكلات المرتبطة بالسوق العقارى فى مصر تجعل التطبيق مختلفًا بعض الشيء عن التصورات النظرية ومع ذلك، فإن رفع حد الإعفاء الضريبى يُعد خطوة إيجابية من شأنها تحقيق قدر من اليسر والتيسير على المواطنين، خاصة فى ظل التخوفات التى سادت خلال الفترة الماضية من احتمالية حدوث أزمة فى سوق العقارات، وهى أزمة كان من الممكن أن تلقى بظلالها على شريحة واسعة من المستثمرين، وكذلك العاملين فى هذا القطاع الحيوي.
وأشار إلى أن الأصل هو خضوع جميع العقارات للضريبة، إلا أن قيمة الضريبة تختلف باختلاف عدة معايير، من بينها الموقع والمساحة والمستوى العام للعقار، فضلًا عن طبيعة الخدمات المتاحة به.
وشدد الخبير الاقتصادى على أن العقار السكنى يجب التعامل معه برؤية مختلفة، مؤكدًا أنه لا ينبغى فرض ضريبة على الوحدة السكنية التى يستغلها المواطن كسكن خاص له.
وأضاف عبدالمطلب أن الحق فى السكن يُعد مبدأً دستوريًا أصيلًا كفله الدستور المصري، ومن هذا المنطلق لا يجوز بأى حال من الأحوال أن يُطالب المواطن بدفع ضريبة مقابل سكنه الخاص.
وأعرب عن أمنيته بأن تتجه التعديلات التشريعية إلى إلغاء الضريبة نهائيًا على الوحدة التى يتخذها المواطن مسكنًا رئيسيًا له، باعتبار أن السكن ليس سلعة ترفيهية وإنما ضرورة حياتية لا غنى عنها.
واختتم حديثه بالتأكيد على أن الضرائب العقارية، رغم ما يثار حولها من جدل، لا تمتلك بدائل حقيقية قادرة على أداء الدور نفسه، معتبرًا أنها من أفضل الأدوات لتنظيم سوق العقارات إذا ما طُبقت بعدالة ووفق رؤية تراعى البعد الاجتماعى والاقتصادي، وتوازن بين حق الدولة فى تحصيل الإيرادات وحق المواطن فى السكن الآمن والمستقر.
