بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

نبض الكلمات

تغيير وزاري.. إعادة تدوير لأزمة!

في الوقت الذي يختنق فيه الشارع تحت وطأة الغلاء، وتتآكل فيه القدرة المعيشية للمواطن إلى حدود غير مسبوقة، يخرج علينا الحديث مجددًا عن "تغيير وزاري مرتقب" وكأنه الوصفة السحرية لإنهاء أزمات صنعتها الحكومة نفسها، وأدارها رئيسها بعجز واضح، ثم يُكافأ على ذلك بالاستمرار كما يشاع في الأوساط السياسية والإعلامية. إن الإبقاء على مصطفى مدبولي في موقعه لم يعد لغزا سياسيًا فقط، بل استفزازًا صريحا لواقع ينهار يومًا بعد يوم.. ومنذ 14 يونيو 2018، يواصل مصطفى مدبولي البقاء على رأس الحكومة، عابرًا خمسة تعديلات وزارية كبرى دون أن يطاله التغيير. ثمانية أشهر فقط وحدث أول تعديل في فبراير 2019، ثم تلاه تعديل آخر بعد تسعة أشهر، ثم تعديل واسع بعد عام والنصف، ثم تعديل في أكتوبر 2021 بعد أكثر من ثلاث سنوات، ثم تعديل كبير في أغسطس 2022 بعد أربع سنوات كاملة، وأخيرًا استقالة شكلية في يونيو 2024 أعقبها إعادة تكليف جديدة. سبع سنوات تقريبًا من الاستمرار المتواصل، تغيرت فيها الوجوه، وتبدلت الحقائب، وتفاقمت الأزمات، بينما ظل رئيس الحكومة ثابتًا في موقعه، وكأن الفشل لا يُحاسب عليه، بل يُكافأ عليه بالبقاء...فالأزمة في مصر لم تعد أزمة قرارات جزئية أو وزراء محدودي الصلاحيات، بل أزمة عقل حاكم للمشهد التنفيذي، عقل فشل في قراءة الواقع، وفشل في الاستجابة لمعاناة الناس، وفشل في تقديم خطاب صادق يعترف بالإخفاق قبل أن يطالب بالصبر، فكيف يُطلب من المواطن التحمل بينما لا تتحمل الحكومة مسئولية نتائج سياساتها؟..إن التغيير الوزاري الذي لا يطال رئيس الحكومة هو خداع منظم، ومحاولة مكشوفة لتقديم "كبش فداء" للرأي العام، في حين يظل صانع القرار التنفيذي الأول خارج دائرة الحساب، أي منطق سياسي أو إداري يبرر استمرار رئيس وزراء شهدت فترته أعلى معدلات تضخم، وانفلاتًا في الأسعار، وتراجعًا في الخدمات، وضيقًا غير مسبوق على الطبقة المتوسطة والفقيرة؟ ،فالواقع يقول بوضوح لا يحتمل التأويل إن الحكومة فقدت الاتصال بالشارع، وتحولت إلى إدارة مغلقة على نفسها، تتحدث بلغة الجداول والمؤشرات، بينما المواطن يتحدث بلغة الفاتورة والإيجار ورغيف الخبز، ومع كل أزمة جديدة، تتكرر نفس الوجوه، ونفس التبريرات، ونفس الوعود المؤجلة، وكأن الفشل لا يُحاسب عليه بل يُدار إعلاميًا ، والأخطر أن استمرار هذا النهج يخلق حالة من التطبيع مع الانهيار، تطبيع مع الغلاء، تطبيع مع العجز، تطبيع مع غياب الأفق. وكأن المطلوب من المواطن أن يتكيف مع الفشل بدلًا من أن تُغيَّر السياسات التي قادته إليه. هذا ليس إصلاحًا، بل استنزافًا بطيئًا للثقة، وتآكلًا متدرجًا لفكرة العدالة والمساءلة.
التغيير الحقيقي لا يكون بتبديل وزير هنا أو هناك، ولا بإلقاء اللوم على "الظروف العالمية" كلما ضاق الخناق ،التغيير الحقيقي يبدأ بإرادة سياسية تعترف بأن هذا المسار لم يعد صالحًا، وأن الإصرار عليه هو مقامرة بمستقبل اجتماعي هش أصلًا. أما الاكتفاء بتغيير الواجهة مع الإبقاء على نفس القيادة، فهو اعتراف غير معلن بالعجز عن اتخاذ قرار شجاع..إن استمرار  "مدبولي"في هذا التوقيت لا يمكن تفسيره إلا كرسالة خاطئة للشارع: رسالة مفادها أن الفشل لا يكلّف شيئًا، وأن المعاناة لا تفرض تغييرا، وأن المواطن مطالب دائمًا بالدفع، بينما تظل مواقع المسؤولية بمنأى عن الحساب، لقد تجاوزت الأزمة حدود الاحتمال، ولم يعد الغضب مكتومًا بقدر ما أصبح صامتًا وخطيرًا، والتاريخ السياسي يعلمنا أن الغضب الصامت أخطر من الغضب المعلن، لأنه يتراكم في غياب الأمل، لا في حضرة الصراع.إن أي تغيير وزاري لا يمس رأس الحكومة، ولا يعيد النظر في السياسات الاقتصادية والاجتماعية من جذورها، لن يكون سوى فصل جديد في إدارة الأزمة لا حلها. وستظل الحكومة تطارد الوقت، بينما الواقع يسبقها بخطوات، فالخلاصة القاسية التي يرفض البعض قولها: مصر لا تحتاج تغيير وزراء…بل تحتاج شجاعة الاعتراف بأن هذا النموذج فشل، وأن استمراره لم يعد خيارًا، فالدول لا تسقط فجأة، بل تنهك عندما يُدار الفشل باعتباره قدرًا، لقد أثبتت التجربة بما لا يدع مجالًا للشك أن الحكومة الحالية، وعلى رأسها مصطفى مدبولي، فشلت في إدارة أخطر مرحلة اقتصادية واجتماعية تمر بها البلاد. فشل في كبح الغلاء، فشل في حماية الدخول، فشل في الحفاظ على الطبقة الوسطى، وفشل في تقديم خطاب مسؤول يعترف بالإخفاق بدلًا من الاحتماء بالتبريرات.
إن الإصرار على استمرار رئيس وزراء شهدت فترته هذا الانهيار المتراكم ليس استقرارًا مؤسسيًا كما يُسوَّق، بل إصرار سياسي على إنكار الواقع. الدولة لا تُدار بتجميل الواجهة، ولا تُنقذ بإلقاء وزراء صغار في مواجهة غضب الشارع بينما يظل صانع القرار التنفيذي الأول بمنأى عن المحاسبة، نطالب بتغيير حقيقي لا شكلي، ومحاسبة سياسية لا إعلامية، وقرارات شجاعة لا مسكنات مؤقتة..فالدولة القوية لا تخشى الاعتراف بالفشل، لكنها تخسر كثيرًا حين تصر على إدارته.
رئيس لجنة المرأة بالقليوبية وسكرتير عام إتحاد المرأة الوفديه 
[email protected]