بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

السايبورغ الإسرائيلي.. هل تحولت غزة إلى “حقل تجارب” للذكاء الاصطناعي؟

خلال حرب إسرائيل على قطاع غزة، لم تعد الرصاصات والقذائف وحدها مصدر الموت.

هناك عقل آخر يعمل في الخلفية… لا ينام، لا يشعر، ولا يتردد… يراقب من فوق السحاب… ومن تحت الأرض… ومن داخل الشاشات.. ولا يرى في البشر سوى أنماط تتحرك على خريطة… وأهداف محتملة.

هذا ليس مستقبل الحروب… بل حاضرها.

ففي هذه الحرب، يظهر ما يمكن وصفه بـ “الجندي السايبورغ”.

والحديث هنا عن جندي يرى بعين الخوارزمية، ويتحرك داخل إطار قرار صُمّم له مسبقًا، حيث يصبح الذكاء الاصطناعي شريكًا فعليًا في القرار العسكري والأمني والاستخباراتي.

والسؤال لم يعد هل تستخدم إسرائيل الذكاء الاصطناعي؟
بل: إلى أي مدى أصبح هو من يستخدم البشر؟

…..

قتل وتجسّس بالخوارزميات

أنظمة ذكاء اصطناعي مثل Lavender و Gospel لم تُستخدم فقط لتحليل الصور، بل لربط:
• صور الطائرات المسيّرة
• بيانات الاتصالات
• أنماط الحركة
• شبكات العلاقات
• السجلات الرقمية الضخمة

ثم إنتاج ما هو أخطر من التحليل.. قوائم أهداف مقترحة.

تقارير صحفية إسرائيلية أشارت إلى أن أحد هذه الأنظمة ولّد عشرات الآلاف من “الأهداف البشرية المحتملة” خلال ذروة العمليات في غزة.


وفي السياق نفسه، طوّرت وحدة 8200 نماذج لغوية مدعومة بالذكاء الاصطناعي دُرّبت على كميات هائلة من المكالمات والرسائل المعترضة، بحيث تتعلم اللهجات، وتفهم السياق، وتربط الأسماء بالأماكن، وتستنتج العلاقات… بما يحوّل مجتمعًا كاملًا إلى قاعدة بيانات حيّة.. وأهداف محتملة.

……

استثمارات ضخمة

قطاع التكنولوجيا الدفاعية في إسرائيل، خاصة المرتبط بالذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والروبوتات، شهد قفزات تمويلية كبيرة خلال 2024–2025، مع تركيز واضح على الحلول المرتبطة بالمراقبة، تحليل البيانات، والأنظمة الذاتية.

تقديرات إسرائيلية تشير إلى وجود آلاف الشركات الناشئة العاملة في مجالات الذكاء الاصطناعي، ونسبة معتبرة من الاستثمارات التقنية تتجه نحو الأمن السيبراني — وهو مجال يتقاطع مباشرة مع الاستخبارات والعمليات العسكرية.

في الميدان، لم تعد الروبوتات مجرد أدوات يتم التحكم بها عن بعد، بل أنظمة مزوّدة برؤية حاسوبية، وتمييز أهداف، وملاحة ذاتية، مثل:

• مركبات برية ذاتية الحركة للدوريات المسلحة

• روبوتات صغيرة تدخل الأنفاق والمباني بدل الجنود

• درونز ترسم خرائط ثلاثية الأبعاد داخل المدن

• أنظمة تعمل في بيئات بلا GPS داخل الأنفاق

هذه الروبوتات لم تعد “متحكمًا بها عن بعد” فقط، بل مزودة برؤية حاسوبية وأنظمة تمييز أهداف وملاحة ذاتية.

وفي الوقت نفسه، تحدثت قيادات عسكرية إسرائيلية علنًا عن خطط متعددة السنوات لوضع الذكاء الاصطناعي والروبوتات في قلب التطور العسكري في مجالات الدفاع والهجوم والاستطلاع.

…..

الجندي السايبورغ!

السايبورغ هنا ليس نصف إنسان ونصف آلة كما في أفلام الخيال العلمي، بل منظومة دعم تجعل الجندي متصلًا لحظيًا بالشبكات والبيانات:

• خوذات واقع معزّز تعرض معلومات فورية

• أنظمة رؤية حرارية وليلية مدمجة

• توصيات لحظية صادرة عن أنظمة ذكاء اصطناعي

• هياكل خارجية تعزّز القدرة البدنية

والنتيجة.. جندي يرى ويقرر داخل إطار صممته خوارزميات… في بيئة يصبح فيها القرار مشتركًا بين الإنسان والآلة.


آلات ذكية "متطرفة"؟!

الذكاء الاصطناعي لا يملك عقيدة، لكنه يتأثر بالبيانات والمعايير التي يُدرب عليها.. ويكتسب “توجهاته” من البيانات التي يتم تغذيته بها.

فماذا لو تم تزويد الذكاء الاصطناعي بتعليمات أو بيانات تستند إلى عقيدة دينية متطرفة؟

نظريا، إذا صُممت النماذج وفق بيانات منحازة أو معايير تصنيف ذات خلفية أيديولوجية، فإن مخرجاتها التحليلية قد تعكس هذا الانحياز.

ووقتها سيصنف الذكاء الاصطناعي الأهداف ويحدد الأولويات ويتخذ القرارات وفق تلك القيم "المتطرفة".

هذا السيناريو يعني بناء نموذج "جندي سايبورغي خارق".. يرى العالم من منظور محدد مسبقا.. ما يجعله أداة تحليلية متسقة مع العقيدة المبرمجة داخله.

غزة… ساحة تجارب للحرب المؤتمتة؟

ما يجري يمكن قراءته بوصفه نموذجًا متقدمًا للحرب المؤتمتة، والاستخبارات المؤتمتة، والمراقبة المؤتمتة.

هذا النموذج — نظريًا — قابل للتطبيق في أي مكان تتوافر فيه:
• كاميرات

• بيانات اتصالات

• بنية سحابية

• خوارزميات تحليل

وهي عناصر متاحة في معظم دول العالم اليوم.


إسرائيل لا تصنع “كائنا خارقا” كما في أفلام الخيال العلمي، لكنها تبني بيئة قتالية يصبح فيها الإنسان نفسه امتدادا للنظام التحليلي الذي يولده الذكاء الاصطناعي.

وفي هذه البيئة..  تقل الحاجة إلى الجواسيس مع وفرة البيانات.. ويقل الاعتماد على المخبرين مع صعود الخوارزميات.. ويصبح القرار مزيجًا من الحدس البشري والتحليل الآلي.
….
هل نحن مستعدون؟

قد لا يكون أخطر ما كشفته الحرب في قطاع غزة هو حجم الدمار… بل طبيعة 
من يصنع هذا الدمار.. ويبدو أن غزة أول ساحة ظهر فيها هذا النموذج بوضوح شديد.


وفي الوقت الحالي فإن القرار في ساحة القتال لم يعد إنسانيا خالصا… وإذا كان بإمكان الخوارزميات أن تختار وتنتقي الأهداف البشرية وتقرر "من يجب قتله" دون رادع… 
فالسؤال موجهة إلى الدول العربية هل أنتم مستعدون لمواجهة هذا النوع من الحروب؟