حكم صيام النصف الثاني من شعبان
يعد حكم صيام النصف الثاني من شعبان محل سعة فقهية بين الجواز والكراهة والتحريم؛ في حين أن الاحتفال بشعبان وبليلة النصف منه مشروع ومستحب مما يستوجب استثمار هذه الأيام في الطاعة واليقظة قبل بلوغ رمضان.
فضل صوم التطوع عامة وشعبان خاصة:
ورد في فضل صوم التطوع أحاديث كثيرة منها: حديث سهل - رضي الله تعالى عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ في الجَنَّةِ بابًا يُقالُ له الرَّيّانُ، يَدْخُلُ منه الصّائِمُونَ يَومَ القِيامَةِ، لا يَدْخُلُ معهُمْ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقالُ: أَيْنَ الصّائِمُونَ؟ فَيَدْخُلُونَ منه، فَإِذا دَخَلَ آخِرُهُمْ، أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ منه أَحَدٌ» [البخاري (١٨٩٦)، ومسلم (١١٥٢)].
ومنها ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللهِ بَعَّدَ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا» [البخاري (٢٨٤٠) ومسلم (١١٥٣)]. وغيرها من الأحاديث الواردة في فضل الصيام.
وفي فضل صيام شعبان ورد أحاديث عدة منها:
عن عائشة رضي الله عنها عن اجتهاده في شعبان فتقول: «كَانَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: قَدْ صَامَ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: قَدْ أَفْطَرَ، وَلَمْ أَرَهُ صَائِمًا مِنْ شَهْرٍ قَطُّ أَكْثَرَ مِنْ صِيَامِهِ مِنْ شَعْبَانَ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلَّا قَلِيلًا» [مسلم (١١٥٦)].
ويكشف لنا الحبيب المصطفى سر اجتهاده، حين قال لأسامة بن زيد: «ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ» [النسائي (٢٣٥٦)].
حكم صيام النصف الثاني من شعبان:
اختلف العلماء في حكم صيام النصف الثاني من شعبان على ثلاثة أقوال:
القول الأول: جواز صيام النصف من شعبان وما بعده:
ذهب الحنفية والمالكية إلى جواز صيام النصف من شعبان وما بعده، لحديث عمران بن حصين رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ: - أَوْ لِآخَرَ - «أَصُمْتَ مِنْ سَرَرِ شَعْبَانَ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «فَإِذَا أَفْطَرْتَ، فَصُمْ يَوْمَيْنِ» [البخاري (١٩٨٣) ومسلم (١١٦١) واللفظ له] وهذا على قول من فسر السرر بالوسط. [انظر: تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشلبي (١/ ٣١٧)، مواهب الجليل في شرح مختصر خليل (٢/ ٤٠٨)].
كما أن أبا داود عقب روايته لحديث: «إذا انتصف شعبان» قال: وكان عبدالرحمن لا يحدث به، قلت لأحمد: لم؟ قال: لأنه كان عنده أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصل شعبان برمضان، وقال عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافه.
القول الثاني: كراهية صيام النصف من شعبان وما بعده:
ذهب الحنابلة إلى كراهية صيام النصف من شعبان وما بعده، وذلك لتضعيف الإمام أحمد للحديث الوارد في النهي. [الفروع لابن مفلح ٣ / ١١٨].
القول الثالث: حرمة صوم ما بعد النصف من شعبان:
يقول الخطيب الشربيني: "إذا انتصف شعبان حرم الصوم بلا سبب إن لم يصله بما قبله على الصحيح في المجموع وغيره؛ لخبر «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا» رواه أبو داود وغيره بإسناد صحيح لكن ظاهره أنه يحرم وإن وصله بما قبله وليس مرادًا حفظًا لأصل مطلوبية الصوم". [مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج (٢/ ١٦٥)].
الجمع بين هذه الأقوال:
جمع الإمام الطحاوي بين حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - وهو النهي، وحديث النهي عن تقدم رمضان بالصيام إلا إذا كان صومًا يصومه، بأن الحديث الأول محمول على من يضعفه الصوم، والثاني مخصوص بمن يحتاط بزعمه لرمضان، وحسَّن هذا الجمع ابن حجر في الفتح [فتح الباري ٤ / ٢٣٠ - ٢٣١].