شرطة مائلة
هدنة معلقة وإعادة تموضع للحرب
مع الحديث عن المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب "للسلام"، كانت قوات الاحتلال الإسرائيلي تواصل خروقاتها الميدانية اليومية في قطاع غزة، عبر القصف وإطلاق النار والتوغلات، ما أدى إلى سقوط عشرات الشهداء خلال أيام قليلة، ويعكس هذا التناقض بين الإجماع الدبلوماسي والواقع الميداني فشلًا في التنفيذ، إضافة إلى الكشف عن إشكالية أعمق تتعلق بطبيعة المرحلة الثانية نفسها، وكيف تنظر إليها إسرائيل كمساحة مناورة لاستمرار الحرب لا كالتزام سياسي.
نظريًا؛ يفترض أن تمثل المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار نقطة تحول، حيث تنص على انسحاب إسرائيلي إضافي، وتثبيت للتهدئة، ثم بدء إعادة إعمار غزة، وتهيئة بيئة تسمح بإدارة مدنية انتقالية في القطاع، عبر لجنة تكنوقراط فلسطينية، غير أن ما يجري على الأرض يشير إلى أن هذه المرحلة بقيت حبرًا على ورق، وجعجعة بلا طحن من الرئيس الأمريكي ترامب، الداعم الكبر لإسرائيل، فمنذ سريان الاتفاق في العاشر من أكتوبر 2025، سُجّل أكثر من 1400 خرق إسرائيلي، شملت غارات جوية، وقصفًا مدفعيًا، وإطلاق نار مباشر، وتقييد حركة الفلسطينيين مدنيين، والتحكم الكامل بالمعابر، وأسفرت هذه الخروقات عن مئات الشهداء وآلاف المصابين، في مشهد يتناقض كليًا مع مفهوم الهدنة ما بعد الحرب.
لا تتعامل إسرائيل مع وقف إطلاق النار بوصفه نهاية للعمليات العسكرية، بل كآلية لإعادة تنظيمها، فبدل الانتقال إلى التهدئة، حيث تعتمد حكومة نتنياهو وجيش إسرائيل سياسة ضغط محسوب، يؤدي إلى إبقاء مستوى دائم من العنف والإبادة، يمنع تشكّل أي استقرار فعلي، ويُبقي القطاع في حالة هشاشة أمنية وسياسية، وفي الوقت نفسه إشغال العالم بحالات حرب أخرى، مثل وضع إيران التي يُتوقَع لها أن تُقصف في أي لحظة من قِبل الولايات المتحدة، بطلب من إسرائيل.
لا يمكن قراءة هذا السلوك الإسرائيلي العدواني باعتباره ردودًا أمنية على خروقات مزعومة، بل كسياسة ممنهجة تهدف إلى تعطيل أي صيغة حكم فلسطينية، حتى وإن كانت ذات طابع تقني وغير فصائلي، فإدارة مدنية بلا أمن، وبلا سيطرة على المعابر، وبلا قدرة على حماية كوادرها، ليست سوى إدارة شكلية، محكومة بالفشل مسبقًا.
في هذا السياق؛ يبرز ما يُسمى "مجلس السلام" كإطار سياسي محدود التأثير، فطريقة تشكيله وطبيعة صلاحياته، تجعله أقرب إلى منصة تنسيقية على المستوى الاستراتيجي، دون أدوات ميدانية أو آليات إلزام قادرة على كبح السلوك الإسرائيلي، بل على العكس؛ إذ يتحول المجلس إلى أداة إسرائيلية لاستمرار نهج الحرب والاحتلال، حيث هذا الفراغ العملي لإسرائيل بالاستمرار في عملياتها العسكرية، دون أن تُعدّ في حالة خرق مباشر لمسار التفاوض، بل إن وجود حكومة يقودها بنيامين نتنياهو، المتهم بارتكاب جرائم حرب، داخل إطار يُفترض أنه معني بصناعة السلام، يطرح تساؤلات جدية حول صدقية هذا المسار وجدواه، وما يؤكد ذلك أن إسرائيل تعتبر أن المرحلة الثانية من الاتفاق هي مرحلة نزع سلاح حماس، ومن ثم القضاء عليها، وهذا "الشرط" الإسرائيلي الذي يدفع نتنياهو لإعادة تعريف الاتفاق من مسار تهدئة إلى أداة لاستكمال أهداف الحرب، فالحديث عن "إنذار نهائي" سيصدره "مجلس السلام" المزعوم لنزع سلاح المقاومة يحوّل المجلس من إطار يفترض أن يضمن الانتقال السياسي، إلى غطاء دولي لفرض شروط عسكرية، في تجاهل كامل لاستحقاقات الاحتلال المنصوص عليها في الاتفاق.
يُظهر الواقع أنه لا إرادة ملزِمة لإسرائيل، ولا آليات ضغط دولية حقيقية، ولا يمكن الحديث عن سلام في ظل قتل يومي، ولا عن إدارة مدنية تحت القصف، ولا عن إعادة إعمار في ظل سيطرة عسكرية تتحكم بالأرض والمعابر والهواء، فبكل وضوح تحولت المرحلة الثانية، بصيغتها الحالية، إلى منطقة رمادية تسمح لإسرائيل بإدامة الحرب دون إعلانها رسميًا، وبكلفة سياسية أقل، وسيظل "مجلس السلام" عنوانًا فضفاضًا، اختراعا ترامبيًا، بينما تبقى غزة عالقة بين حرب لم تُحسم، وسلام لا يُسمح له أن يبدأ.، كاتب وشاعر، صحفي حر، أكاديمي، مُحاضر الأدب العبري الحديث والدراسات الإسرائيلية، كلية الآداب، جامعة المنصورة، مصر
https://www.facebook.com/MoHendam
https://x.com/MoHendam
[email protected]