بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

عماد ابوصالح يكتب : محمد خير.. شاعر الخسائر

بوابة الوفد الإلكترونية

يدهشني محمد خير بتنوُّع فنونه وتعدُّد صنائعه. إذا كان المَثَل الشهير عن الصنائع السبع يتحسَّر على ضياع بخت صاحبها، فإن "خير" يمارسها كلها بنجاح لافت، ولا نلمح في ما يبدعه شُبهة فشل أو ذرَّة ادعاء. شاعر فصحى، شاعر عامية، روائي، قاص، كاتب مقال، صحفي، محرر أدبي، ولو فتشتَ أكثر، ربما تضيف صنعة أو صنعتين.

 

بدأ النشر سنة ٢٠٠٢، وأصدر ديوانين بالعامية ومجموعة قصصية، ثم فاجأنا بديوان فصيح بعد ثماني سنوات من الصبر. يتهيأ لي أنه كان يسوِّي روحه على نار هادئة قبل أن يخوض معركة "قصيدة النثر". كأنه كان يعدُّ خططه ويدرس طرق الهجوم والانسحاب حتى لا يرمي نفسه في تهلكة فَنٍّ لا يرحم. أتاح له تمكنه من الإيقاع كشاعر "غنائي" أن "يَزِن" كل كلمة في قصائده النثرية، لتجيء دون زوائد ولا ترهلات ولا استطرادات. وقادته خبرته بالقصة القصيرة إلى انتقاء مَشاهد لقصائده لا تفقد شحنتها الشعرية، برغم ما فيها من مكان وحدث ودراما وشخوص. وساعده عمله كروائي شَبِع من السرد، على النجاة من وباء التجريد الذي يجتاح معظم قصائد هذه الأيام للأسف، بعد أن ظننا أنه مات ودُفِن مطلع الألفية. شقَّ طريقه بقوة في ديوانه الأول "هدايا الوحدة" ٢٠١٠، وصنع بَصمته الخاصة في ديوانه الثاني "العادات السيئة للماضي" ٢٠١٥، وها هو مع ديوانه الأحدث "شاعر أسود في مدينة بيضاء" ٢٠٢٦، يكرس نفسه صوتًا لا يُنسى في المشهد الشعري الراهن.

يدخل محمد خير إلى الشعر من الباب الذي أُحبه؛ الباب الهش، الفقير، الضيِّق. هش لأنه لا يستعرض عضلاته الفنية، وفقير لأنه بلا زركشة ولا بهرجات، وضيِّق لأنه لا ينفتح على مصراعيه لألاعيب التجريب، أو فوضى الأفكار وشهوة الإبهار. تتكدس دواوينه الثلاثة بالهزائم. كأنها مستودع خيبات أو خزَّان انكسارات، وكأنه هو المثال الحي على عبارة لوركا: "الشاعر مع الخاسر". هذه قصيدة بعنوان "موعد" من ديوانه الجديد:

("الأغاني جمادات يحييها الحب"

قالت وهي تكشط بظفرها

بقايا مشروب لاثنين كانا هنا

ولم يستكملا جلستهما

قاما

لأن البنت آلمها شيء

فسكبت الكأس

وتابعهما النادل والتقط النقود

ولم يمسح المائدة ولم يغير الأغنية).

هنا قصة حب عادية. ولد وبنت وفراق. حكاية مكررة منذ بداية الخلق، وستتكرر إلى أن يفنى الخلق. مملة، ويمكنك أن تقول: مبتذلة. لكن الشاعر يحيل هذه الخُردة الصدئة إلى سبيكة ذهب، ويقودنا عبر حوالي ثلاثين كلمة إلى متاهة من التأويلات والتساؤلات. لا يحكي محمد خير القصة من أولها لآخرها، ولا يتوسع في تفاصيلها. إنه يُشَفِّيها ويقدم لنا نخاعها: أي نهايتها. كأنَّ قصص الحب على كثرتها يمكن اختصارها في كلمة واحدة: الفراق. يدرك النادل (خبير الوداع) أنه لا حاجة لمسح المائدة. لا داعي لتغيير الأغنية. هذا جهد ضائع ووقت مهدور. سيأتي عاشقان جديدان ويجلسان إلى المائدة نفسها، ويستمعان إلى الأغنية نفسها، وتنسكب الكأس نفسها، وينتهيان النهاية نفسها. الثابت هو المكان، الدائم هو الهجر، الباقي هو الألم. العشاق مؤقتون أو زائلون، والخالد هو الحب، أو -على الأصح- عذاب الحب. لا تبتزُّنا القصيدة بمفردات عاطفية، لا تصرح بأن البنت عاشقة، ولا بأن الاثنين حبيبان. يدرك الشاعر أنه تكفي الإشارة إلى بنت وولد وأغنية وكافتيريا، لنعرف أنها قصة حب، لنتذكر ألمنا نحن، لنخلط بين العشاق في القصيدة وأنفسنا، ليتلخبط الماضي بالحاضر بالمستقبل، ويتوه الزمن.

هذه القصيدة القصيرة لا تقدم كَسرة الحب عبر قصة واحدة أو قصتين متداخلتين كما يتبدى في قراءة سريعة. هنا سلسلة عشاق مكسورين؛ اثنان، إثر اثنين، إثر اثنين، إلى ما لا نهاية. يربكني ألف التثنية في الفعل "قاما". مَن هذان الاثنان؟ هما العاشقان السابقان، أم البنت وحبيبها؛ الجديدان؟ أيُّ واحدة من البنتين شعرت بالألم؟ هل البنت وحيدة أصلًا في الكافتيريا، وخمَّنتْ من البقعة على المائدة ما حدث للبنت الأخرى في زمان سابق؟ أم هي الآن مع حبيبها في "موعد" وبَدَر منه "شيء آلمها" وسكبت الكأس على المائدة، وستكشط البقعة بنتٌ ما في زمان لاحق؟ مَن هو راوي المشهد؟ البنت؟ أم الشاعر؟ ومَن هو الشاعر؟ حبيب البنت الأولى؟ حبيب الثانية؟ أم حبيب مهجور في قصة مشابهة؟ مَن أنت؟ مَن أنا؟ قارئ أم شاهد؟ محايد أم شريك؟

 

لا يتعارك محمد خير في قصائده مع الواقع الحي. لا رغبة له في الاشتباك، ولا قدرة لديه على الصراع والصراخ. يحوم بخفة حول الشعر، يمسُّه ولا يدهسه، يرجوه ولا يجبره. قصائده بلا حمولات بلاغية أو لغوية. يُجَوِّعها حتى تصير بلا لحم ولا شحم. كأنها طيف قصائد، وكأنه جياكوميتِّي كلمات. لا تغريه الأشياء في ذروتها أو وقت تأججها. هو مولعٌ باللحظات المطفأة أو الباردة أو الميتة. مشغول بالثمار الذابلة والقصائد الآفلة. ينحاز إلى الظل لا الشمس، إلى الصمت لا الصخب، إلى التأني لا اللهاث، إلى الاحتضار لا الحضور. يجيء دائمًا في نهاية المشهد، بعد المعركة، بعد الحفلة، بعد الوليمة، بعد السعادة. يجيء متأخرًا عن الحياة، ليكتب ما فعلت به وبنا الحياة. 

هاتفني علاء الديب ذات يوم، بعد أن أصدرت أحد دواويني، وقال لي: "اسم الله عليك". ثلاث كلمات؛ قالها بحرارة وبساطة وحنان أُم، ولا تزال تغنيني عن أي مديح آخر. لا أجد أجمل منها أهديه إلى محمد خير.