بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

الدروس المستفادة من تحويل القبلة

بوابة الوفد الإلكترونية

يعد من صفات المؤمنين الصادقين الامتثال لأمر الله ورسوله دون تردُّد، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤۡمِنࣲ وَلَا مُؤۡمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥۤ أَمۡرًا أَن یَكُونَ لَهُمُ ٱلۡخِیَرَةُ مِنۡ أَمۡرِهِمۡۗ وَمَن یَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَقَدۡ ضَلَّ ضَلَٰلࣰا مُّبِینࣰا﴾ [الأحزاب: ٣٦].

سرعة الامتثال وعلامات الإيمان

وقد ضرب سيدنا رسول الله ﷺ وأصحابه أروع الأمثلة في سرعة الاستجابة عند تحويل القِبْلة؛ فقد نزل الوحي بالأمر الإلهي على حضرته صلوات ربي وسلامه عليه وهو يصلي بأصحابه في المدينة صلاة الظهر، فاستدار ﷺ وهو في صلاته من جهة الشمال إلى جهة الجنوب، واستدار خلفه المصلون في الحال.

ولم يتوقف أثر هذا الامتثال عند مركز المدينة فحسب، بل امتد ليشمل الضواحي والمساجد البعيدة فور وصول الخبر إليها؛ فبينما كان الناس في مسجد قباء يصلون الصبح من اليوم التالي، جاءهم منادٍ يخبرهم بنزول الوحي بالتحويل، كما جاء عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: «‌بَيْنَا ‌النَّاسُ ‌بِقُبَاءٍ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ، إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا، وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّأْمِ، فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ». [رواه البخاري]. فكان هذا التفاوت في الأوقات برهانًا على أنَّ المجتمع النبوي كان يعيش حالة استنفارٍ روحي، لا يمنعه بُعد المسافة أو اختلاف وقت الصلاة عن الانقياد التام لأمر الله ورسوله.
كما رسخ تحويل القبلة في المسلمين تعظيم ربهم سبحانه، فهو الغاية الكبرى وإن اختلفت الوجهة، قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُۚ فَأَیۡنَمَا تُوَلُّوا۟ فَثَمَّ وَجۡهُ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ وَٰسِعٌ عَلِیمࣱ﴾ [البقرة:١١٥]، وقال أيضًا: ﴿سَیَقُولُ ٱلسُّفَهَاۤءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّىٰهُمۡ عَن قِبۡلَتِهِمُ ٱلَّتِی كَانُوا۟ عَلَیۡهَاۚ قُل لِّلَّهِ ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُۚ یَهۡدِی مَن یَشَاۤءُ إِلَىٰ صِرَٰطࣲ مُّسۡتَقِیمࣲ﴾ [البقرة:١٤٢].

تحويل القبلة

عاش حضرة النبي ﷺ في المدينة وهو يحمل في صدره شوقًا عظيمًا للكعبة المشرفة، فكان يقلب وجهه في آفاق السماء انتظارًا لخبر من السماء يجمعه بقبلة أبيه إبراهيم، فجاء التحويل تكريمًا لنبي الرحمة، وبيانًا لمنزلة المسجد الحرام في دين الإسلام، وإعلانًا لاستقلالية الأمة المحمدية بتميزها عن أهل الكتاب في أقدس عباداتها.

أشواق النبوة وحنين البيت العتيق

كان حبُّ الحبيب المصطفى ﷺ لمكة والبيت الحرام حبًّا متجذرًا في وجدانه، ففاضت هذه الأشواق حين أُخرج منها مكرهًا يوم الهجرة؛ فوقف على مشارفها مودعًا بكلماتٍ تفيض حنينًا: «وَاللَّهِ، إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إلى الله، ولولا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ». [رواه الترمذي].
وقد جعل الله محبَّة هذا البيت في القلوب منذ أن دعا الخليل إبراهيم عليه السلام بقوله: ﴿فَٱجۡعَلۡ أَفۡءِدَةࣰ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِیۤ إِلَیۡهِمۡ﴾ [إبراهيم: ٣٧]، وقد قال تعالى: ﴿وَإِذۡ جَعَلۡنَا ٱلۡبَیۡتَ مَثَابَةࣰ لِّلنَّاسِ وَأَمۡنࣰا﴾ [البقرة: ١٢٥]، فكان تحويل القبلة تكريمًا لهذه الأشواق النبوية، وتصديقًا لكون الكعبة هي الوجهة التي تجتمع عليها القلوب، وتطمئن إليها الأفئدة.

وحدة القبلة وترابط الرسالات

تجلت عظمة الإسلام في جعل القبلة وجهة جامعة للعالمين قاطبة؛ فكان التوجه الأول نحو بيت المقدس إعلانًا صريحًا عن ترابط الأنبياء ووحدة رسالاتهم، ثم جاء التحول نحو الكعبة المشرفة؛ ليكون إيذانًا بأنها القبلة الخاتمة والمركز الذي لا تُقبل صلاةٌ إلا باستقباله، ولا تصح عبادةٌ إلا بمتابعة صاحب الرسالة ﷺ؛ امتثالًا للأمر الإلهي: ﴿فَوَلِّ وَجۡهَكَ شَطۡرَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِۚ﴾ [البقرة: ١٤٤].

ولم يكن هذا التحويل مجرد انتقالٍ جغرافي، بل هو دعوةٌ تربوية لكل مسلم ليعيد توجيه بوصلة حياته نحو الحق؛ فكما استدارت الأجساد في الصلاة طلبًا لرضا الله، وجب على القلوب أن تستدير عن غفلتها طلباً لرضوانه.

كما إن تحويل القبلة يعلمنا أن التغيير الخارجي في الأحوال مرهونٌ بالتغيير الداخلي في النفوس، فمن أصلح وجهة قلبه مع الله، أصلح الله له سائر شئونه؛ مصداقًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُغَیِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ یُغَیِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ﴾ [سورة الرعد: ١١].