كوديكس يطور ألعابًا معقدة ويختبرها آليًا عبر نظام macOS
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد واجهة دردشة تجيب على الأسئلة، بل بدأ يتحول إلى كيان إداري قادر على توظيف "زملاء" رقميين لإنجاز مهام معقدة. هذا ما كشفت عنه شركة OpenAI مؤخراً من خلال إطلاق تطبيقها الجديد المخصص لنظام macOS والمبني على نموذج كوديكس (Codex). هذا التطبيق لا يكتفي بكتابة الكود البرمجي فحسب، بل يعمل كقائد أوركسترا يدير مجموعة من المساعدين الذكيين للعمل معاً في تناغم تام، مما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من أتمتة الأعمال البرمجية والتقنية.
بدأت رحلة كوديكس في الربيع الماضي كاستجابة تقنية لنموذج كلود كود، لكنه اليوم يتطور إلى أداة أكثر تعقيداً قادرة على إدارة مهام متعددة المسارات. الميزة الجوهرية هنا هي قدرة الوكيل البرمجي على تقسيم العمل؛ فبدلاً من أن يحاول نموذج واحد القيام بكل شيء، يقوم كوديكس بتفويض المهام لنماذج مختلفة تمتلك قدرات تكميلية. ولتوضيح هذه القدرة، استعرضت OpenAI تجربة عملية قامت فيها بتطوير لعبة سباق سيارات كاملة تشبه "ماريو كارت"، تتضمن سيارات متعددة وثمانية مسارات ومؤثرات صوتية وبصرية متنوعة.
في هذه التجربة، لم يقم كوديكس بكتابة الكود فحسب، بل عمل كمدير مشروع ذكي. استعان بنماذج متخصصة في الصور لتصميم الأصول البصرية، بينما كان نموذج آخر يعمل بالتوازي على صياغة المنطق البرمجي للعبة عبر الويب. المثير للإعجاب أن كوديكس لم يتوقف عند التصميم والتطوير، بل تقمص دور مختبر الجودة (QA) للتأكد من خلو اللعبة من الأخطاء من خلال "لعبها" برمجياً واختبار كفاءتها. هذا التكامل يقلص الفجوة بين الفكرة والمنتج النهائي، ويختصر أسابيع من العمل البشري في دقائق معدودة.
ولتبسيط هذه التكنولوجيا المعقدة للمستخدم العادي، قدمت OpenAI ميزة تسمى "المهارات" (Skills). تعمل هذه الميزة كمستودع للموارد والبرامج النصية التي تتيح لكوديكس الاتصال بالأدوات الخارجية وتنفيذ سير العمل وفقاً لتفضيلات الفريق. يمكن للمستخدم أن يطلب من التطبيق استخدام مهارة محددة، أو يترك له حرية اختيار المهارة الأنسب بناءً على طبيعة المهمة. هذا النوع من التفاعل يجعل الذكاء الاصطناعي يبدو وكأنه عضو خبير في الفريق وليس مجرد أداة صماء.
جانب آخر لا يقل أهمية هو قسم "الأتمتة" في التطبيق، والذي يسمح بجدولة المهام المتكررة لتعمل في الخلفية دون تدخل بشري. تستخدم OpenAI هذه الميزة داخلياً للتعامل مع مهام برمجية روتينية مثل تصنيف المشكلات اليومية، وتلخيص إخفاقات الأنظمة، والتحقق من الثغرات، وإصدار التقارير التقنية. هذا النوع من الأتمتة لا يوفر الوقت فحسب، بل يرفع من دقة العمليات التقنية التي قد يغفل عنها البشر نتيجة الإرهاق أو التكرار.
يأتي إطلاق هذا التطبيق في وقت تتسابق فيه الشركات الناشئة لاستكشاف ما يمكن أن تفعله مجموعات "الوكلاء الرقميين" التي تعمل بالتوازي. ففي مطلع العام الجاري، أثبتت تجارب أخرى إمكانية بناء متصفح ويب كامل من الصفر باستخدام هذا النهج الجماعي. ورغم التحديات التقنية التي لا تزال تواجه هذه النماذج، إلا أن التوجه العام يشير إلى أن مستقبل البرمجيات لن يعتمد على مبرمج واحد ونموذج واحد، بل على شبكة من النماذج التي تتخاطب وتتعاون فيما بينها.
وفي خطوة تسويقية تهدف لجذب أكبر عدد من المستخدمين لتجربة هذه الإمكانات، أتاحت OpenAI الوصول إلى كوديكس لفترة محدودة لمستخدمي النسخة المجانية من ChatGPT ومستخدمي فئة "Go". وفي المقابل، أعلنت الشركة عن مضاعفة معدلات الاستخدام لمشتركي باقات "Plus" و"Pro"، مما يعكس رغبة الشركة في تعزيز العائد المادي من أدواتها الأكثر تقدماً بالتزامن مع توفير عينة مجانية للجمهور العريض.
إن تحول كوديكس من مجرد محرك لكتابة الكود إلى بيئة إدارة ذكية هو مؤشر قوي على أن الذكاء الاصطناعي ينتقل من مرحلة "التنفيذ" إلى مرحلة "الإدارة". وهذا يضع المبرمجين والشركات أمام واقع جديد يتطلب تعلم كيفية إدارة هذه الوكلاء الرقميين بدلاً من مجرد كتابة الأوامر لها، مما يغير قواعد اللعبة في صناعة البرمجيات العالمية للأبد.