بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

الوجه القبيح للتكنولوجيا

بوابة الوفد الإلكترونية

روبلوكس والمساكنة.. بوابات رقمية لاستدراج الأطفال

قرارات حاسمة لحجب المنصات المهددة للقيم الأسرية

تنظيم الاتصالات: تنسيق غير مسبوق بين كل الجهات لضمان بيئة رقمية آمنة

خبراء يحذرون: الدردشة أخطر من الألعاب نفسها

يونيسف: الألعاب الإلكترونية أداة استغلال للصغار

 

لم يعد العالم الرقمى مجرد مساحة ترفيه آمنة للأطفال، بل أصبح ساحة معقدة تتقاطع فيها الألعاب مع الدردشة، والتواصل الاجتماعى مع الاقتصاد الخفى، والخيال البريء مع الاستغلال المنظم، خلف الرسومات الجذابة والشعارات البراقة، تتشكل منظومة كاملة من المخاطر النفسية والسلوكية والاجتماعية، تبدأ برسالة عابرة من مجهول، وقد تنتهى بإدمان، أو ابتزاز، أو تبنى أفكار وسلوكيات لا تتناسب مع عمر الطفل ولا مع قيم المجتمع، هذا التحول الصامت، الذى يتسلل إلى البيوت دون ضجيج، هو ما دفع الخبراء قبل الجهات الرسمية إلى دق ناقوس الخطر، محذرين من أن أخطر ما فى العالم الرقمى أنه يبدو آمناً.
القلق المتزايد حول لعبة روبلوكس لا يرتبط بفكرة اللعب ذاتها، بل بطبيعة المنصة التى تعتمد على عوالم يصنعها المستخدمون، هذا النموذج المفتوح، الذى يمنح الأطفال شعوراً بالحرية والإبداع، يخلق فى الوقت نفسه بيئة يصعب إخضاعها للرقابة المسبقة، الطفل لا يدخل لعبة واحدة، بل يدخل مجتمعاً كاملاً، فيه دردشة، وتفاعل اجتماعى، وتبادل محتوى، دون ضمانات حقيقية حول هوية من يتعامل معهم.
خبراء التكنولوجيا يرون أن الخطر فى روبلوكس تراكمى بطبيعته، يبدأ بتجربة لعب بسيطة، ثم يتطور تدريجياً إلى تواصل دائم، وعلاقات افتراضية، وتعلق نفسى، قد يفتح الباب أمام محتوى غير لائق، أو سلوكيات عدوانية، أو أفكار لا يدرك الطفل أبعادها، الأخطر أن هذا يحدث فى مساحة يراها كثير من الآباء آمنة لأنها تحمل اسم لعبة.
الدردشة أخطر من اللعبة نفسها
أكد محمد الحارثى، الخبير التكنولوجى، أن جوهر المشكلة لا يكمن فى الرسومات أو آليات اللعب، بل فى مساحات التواصل المصاحبة لها، موضحاً أن كثيراً من الألعاب الحديثة، وعلى رأسها روبلوكس، تعتمد على خوادم خاصة وغرف دردشة، إضافة إلى ارتباطها بتطبيقات خارجية مثل ديسكورد، ما يخلق شبكة تواصل موازية بعيدة عن أى إشراف فعلى.
حذر الحارثى من أن الأطفال يمتلكون قدرة لافتة على التحايل التقنى، وأن بعض المنتديات والمجتمعات الرقمية تشرح لهم خطوة بخطوة كيفية تجاوز الحجب أو الوصول إلى خوادم بديلة، هذا الواقع يجعل الطفل طرفاً نشطاً فى منظومة رقمية أكبر من عمره، وأكثر تعقيداً من قدرته على الفهم أو التقدير.
أكد المهندس محمد إبراهيم، نائب رئيس الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات والمتحدث الرسمى باسمه، أن الدولة المصرية تتخذ خطوات حاسمة لصياغة تشريعات رائدة بشأن مخاطر الهواتف المحمولة وتطبيقات التواصل الاجتماعى على الأطفال، مستفيدة من أفضل التجارب العالمية.
وأشار إبراهيم إلى تشكيل لجنة عليا تضم كافة الجهات المختصة، لتقديم حلول فنية وتشريعية متكاملة تناسب خصوصية المجتمع المصرى، وأوضح أن مذكرة وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات تضمنت دراسة تجارب دولية متعددة، أبرزها، أستراليا، والمملكة المتحدة، والصين وكوريا الجنوبية، واليابان والاتحاد الأوروبى.
شدد إبراهيم على أن الهدف هو استخلاص أفضل هذه التجارب ودمجها فى نصوص قانونية قابلة للتطبيق، مع التركيز على التوعية الإعلامية والمدرسية كعنصر أساسى، وفيما يتعلق بالجدل حول لعبة روبلوكس وغيرها من المنصات، أوضح أن الجهاز القومى لتنظيم الاتصالات هو الذراع الفنى للدولة، ولا يتخذ قرارات الحجب بشكل مستقل، بل وفق إشعار رسمى من جهات قانونية مثل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام أو النيابة العامة، حتى الآن، لم يصدر أى قرار رسمى بحظر اللعبة، والأمر لا يزال قيد الدراسة.
كما تطرق إبراهيم إلى محاولات الالتفاف على الحجب باستخدام شبكات الـVPN، مؤكداً أن الجهاز يمتلك خبرة كبيرة وأدوات وتقنيات متقدمة للتعرف على أساليب التحايل وضمان تنفيذ قرارات الحجب بفعالية، لحماية المجتمع الرقمى المصرى.
تابع أن الهدف الأسمى هو خلق بيئة رقمية آمنة للأطفال، لا تعزلهم عن التكنولوجيا، لكنها تحميهم من مخاطرها، مع تنسيق غير مسبوق بين كافة الجهات لضمان خروج التشريعات الجديدة بأفضل صورة ممكنة.
كما لفت محمد مغربى، خبير الذكاء الاصطناعى، إلى أن حجب أى منصة أو لعبة لا يتم بطريقة واحدة، بل عبر مستويات متعددة تبدأ بحجب اسم النطاق، وهى أبسط الطرق وأكثرها شيوعاً، وقد تصل إلى حجب عناوين الـIP الخاصة بالخوادم، غير أن هذه الأساليب يمكن التحايل عليها باستخدام VPN.
قال مغربى إن المرحلة الأكثر تقدماً هى استخدام تقنيات «فحص الحزم العميق» التى تتيح تحليل البيانات المارة عبر الشبكة، والتعرف على أى نشاط مرتبط بلعبة أو منصة بعينها، ومن ثم منعه تلقائياً، حتى لو كانت مثبتة على الجهاز مسبقاً، ورغم فعالية هذه الأدوات، شدد مغربى على أن الحل التقنى وحده لا يكفى فى مواجهة سلوك رقمى سريع التطور، خاصة مع وجود جيل يتعامل مع التكنولوجيا باعتبارها جزءاً طبيعياً من حياته اليومية.
بعيداً عن الألعاب، تظهر فئة أخرى من المنصات لا تقل خطورة، وهى مواقع وتطبيقات تروج للمواعدة والمساكنة باعتبارها علاقات مؤقتة تجريبية، هذه المنصات، بحسب خبراء اجتماعيين، لا تكتفى بتقديم محتوى صادم، بل تعمل على إعادة تعريف العلاقات الإنسانية بشكل يتصادم مع القيم الدينية والاجتماعية، ويؤثر بشكل مباشر على مفهوم الأسرة والاستقرار.
الخطورة هنا لا تكمن فقط فى الفكرة، بل فى أسلوب الترويج، الذى يعتمد على التطبيع التدريجى، وتقديم هذه العلاقات باعتبارها خياراً طبيعياً أو مرحلة عابرة، وهو ما قد يخلق ارتباكاً نفسياً وسلوكياً لدى فئات عمرية صغيرة، لا تمتلك النضج الكافى لفهم العواقب.
أشار تقرير صادر عن «يونيسف» إلى أن منصات الألعاب الإلكترونية لم تعد مجرد وسيلة ترفيه، بل أصبحت فى بعض الحالات بيئة خصبة للاستغلال المنظم، هذا التقرير حذر من استخدام غرف الدردشة والمجتمعات الافتراضية فى استقطاب الأطفال والشباب، سواء لأغراض إجرامية، أو للتأثير الفكرى، أو حتى للتجنيد فى أنشطة عنيفة.
أكد التقرير أن المشكلة ليست فى الألعاب نفسها، بل فى البنية التحتية التى تسمح بتفاعل اجتماعى واسع دون أدوات حماية كافية، فالعناصر التى تجعل الألعاب جذابة مثل تقمص الأدوار، والتجارب المشتركة، وبناء المجتمعات يمكن إساءة استخدامها بسهولة إذا غابت الرقابة والوعى.
كما أكد المركز الوطنى للاستعداد لطوارئ الحاسبات والشبكات، أن الرقابة الأبوية لا تعنى المنع المطلق، بل تمثل مفتاح أمان فى عالم رقمى مفتوح، مشدداً على أن تحديد وقت الشاشة، وتفعيل أدوات الحماية، ومراجعة أذونات التطبيقات، خطوات أساسية لا غنى عنها لحماية الأطفال من المخاطر الخفية.
وفى ظل المشهد المتشابك، يتفق الخبراء على أن الأسرة تمثل خط الدفاع الأول والأكثر تأثيراً، الحوار المفتوح مع الأطفال، وفهم طبيعة الألعاب والمنصات التى يستخدمونها، ومشاركتهم تجربتهم الرقمية، كلها عناصر لا تقل أهمية عن أى إجراء تقنى أو تنظيمى.