بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

لعل وعسى

الوقت والزمن عند التفرد الاصطناعى (1)

فى عالم تعادل الريادة التكنولوجية فيه القوتين الاقتصادية والجيوسياسية، يثير الذكاء الاصطناعى الفائق قضايا حتى قبل ظهوره، فالبعض يعتقد أنه قادر على تغيير العالم، والبعض الآخر يثير مخاوف من إحتمال فقدان السيطرة عليه، وتشكيله تهديدات وجودية للبشر أنفسهم. لذا يمثل فهم تطور الذكاء الاصطناعى زمنيًا أمرا مهمًا لتوقع آثاره فى المجتمعات وعلى الاقتصاد، مع تقدير أبعاده الجيوسياسية. فعملية تطور الذكاء الاصطناعى مرت بمراحل أولها ما يسمى بالذكاء الاصطناعى الضيق (Artificial Narrow Intelligence)، الذى يدرب لأداء مهمة واحدة أو محددة، لكن استخداماته رافقها ظهور معضلات أخلاقية وأبعاد سلبية، مثل التحيز، وحملات المعلومات المضللة، والتزييف العميق، وانتهاكات الخصوصية، لذا تم التوجه نحو النوع الثانى وهو الذكاء الاصطناعى القوى أو الذكاء الاصطناعى العام (Artificial General Intelligence) والذى يهدف إلى أداء المهمات الفكرية، مثل التخطيط والتحليل المنطقى، بطرق شبيهة للقدرات البشرية، لكن فى المقابل احتمالات إساءة استخدام هذا النوع من الذكاء فى النزاعات يكون مصدر قلق حتى قبل ظهوره، إضافة إلى أنه قد يتسبب بإحداث خلل كبير فى أسواق العمل، والهياكل المجتمعية مع تزايد إحلاله لوظائف البشر، ما قد يفضى إلى توسع هوة عدم المساواة، والتى حدثت بالفعل بوصول رائد التكنولوجيا الحديثة إيلون ماسك إلى ثروة تقترب من التريليون دولار، وزيادة ثروات الأثرياء خلال عام 2025 بنحو 20%، لتصل إلى نحو 18,5 تريليون دولار، والأخطر أنها زادت حوالى 85% منذ عام 2020، هذه الزيادة المضطردة سببها التطور التكنولوجى الهائل، ولكن قابلها ظهور تحديات مجتمعية كبيرة ممثلة فى الاضطرابات وارتفاع مستويات البطالة، والفقر والجوع. لذا ظهر النوع الثالث وهو الذكاء الاصطناعى الفائق (Artificial Super Intelligence) ويصل إلى مرحلة ما يسمى «التفرد» (Singularity) والتفوق على ذكاء البشر، وتشمل قدراته امتلاك مهارات الإبداع والوعى الذاتى والتفكير المجرد والفهم العاطفى، إلى جانب امتلاك احتياجات ومعتقدات خاصة به. ونرى أن حدوث ذلك سيكون بحلول عام 2050. استنادًا إلى دراسة كورتيزول، التى تؤكد أن الإنسان يفكر خطيا Linear، بينما تتقدم التكنولوجيا بطريقة أُسية Exponential وبالطبع فإن هذه الفوارق ستحول جذريًا وعى الإنسان للوقت والزمن، وأنه فى عام 2045، سيصل تسارع الذكاء الاصطناعى إلى نقطة التفرد Singularity، أى النقطة التى يتجاوز فيها ذكاء الآلة الذكاء البشرى. وبالتالى فإننا يجب أن نقلق ونختار الآن عما ينتظرنا فى المستقبل. هذا المستقبل يتعلق بالولايات المتحدة الأمريكية والتى تسعى للوصول إلى الذكاء الخارق، لأنها تملك وتنتج أسرع وأهم رقاقات Chips فى العالم، مع العلم أن القطاع الخاص فى أمريكا يملك هذه القدرات التى تعد استثمارا من المال الخاص ومن الطبيعى السعى إلى الاحتكار لتحقيق الأرباح، ونظرًا إلى أهمية الذكاء الاصطناعى بصفته محركا للاقتصاد والأعمال، لكن يشكل الذكاء الاصطناعى أيضا تهديدًا للأمن القومى الأمريكى، وهذا ما طرحته مؤسسة راند، فى دراسة تهدف إلى بناء الأسس الفكرية لأمريكا والتى حددتها فى خمس مشاكل صعبة يفرضها ظهور الذكاء الاصطناعى العام على الأمن القومي، وهى تمكين ميزة كبيرة للتحرك الأول من خلال الظهور المفاجئ لأسلحة العجائب الحاسمة. أيضًا التسبب فى تحول منهجى يغير توازن القوى العالمية. كذلك تمكين غير الخبراء من تطوير أسلحة الدمار الشامل. مع التسبب فى ظهور كيانات اصطناعية تتمتع بوكالاتها الخاصة لتهديد الأمن العالمى. أخيرا زيادة عدم الاستقرار. وبالتالى فإن تناول هذه المشاكل أمر فى غاية الأهمية لصالح الأمن القومى المصرى أيضا. أولًا، قد يمكن الذكاء الاصطناعى العام من تحقيق ميزة كبيرة فى التحرك الأول من خلال الظهور المفاجئ لسلاح عجيب حاسم. على سبيل المثال، تحديد نقاط الضعف فى الدفاعات السيبرانية للعدو واستغلالها وخلق ما قد يسميه البعض ضربة سيبرانية أولى تعطل ضربة سيبرانية انتقامية. وبالتالى فإننا نرى أن الذكاء الاصطناعى العام قد يعمل على تآكل الميزة العسكرية، من خلال خلق نوع من آلة ضباب الحرب التى تجعل المعلومات عن ساحة المعركة غير جديرة بالثقة. ومن الممكن أن تؤدى مثل هذه الميزة الرائدة إلى تعطيل التوازن العسكرى للقوى فى المسارح الرئيسية، وخلق مجموعة من مخاطر الانتشار، وتسريع ديناميكيات السباق التكنولوجى. ثانيًا، قد يتسبب الذكاء الاصطناعى العام فى تحول منهجى فى أدوات القوة الوطنية، وهو ما سنتناوله فى المقال القادم إن شاء الله.

رئيس المنتدى الاستراتيجى للتنمية والسلام