قضية ورأي
يحيا الوفد
لايزال الوفد، قادرا على تحريك المياه الحزبية الراكدة.
فبينما قامت الدولة بتقسيم تنظيمها السياسى الواحد على عدة أحزاب، كانت تجربة انتخابات الوفد، يوم الجمعة الماضى، كفيلة بالتنبيه إلى أن ثمة حزبا قادرا على تنظيم تداول السلطة الداخلية فيه، وتقبل أبناؤه روح الخسارة كما يتقبلون روح الفوز.
مرشحان طرحا برنامجيهما، وناخبون أدلوا بأصواتهم فى صناديق شفافة، ولجنة قضائية أشرفت على الانتخابات وأعلنت النتيجة، فتعانقت يدا الدكتور السيد البدوى والدكتور هانى سرى الدين، فى دلالة على أن الفائز هو الوفد.
لا أقول إن الوفد حاليا هو أقوى حزب سياسى، ولكن الحقيقة أن الوفد هو الحزب الوحيد الذى تنطبق عليه مقومات العمل الحزبى الحقيقى.
فالوفد قبل ثورة 1952 لم تنشئه لا سلطة الاحتلال ولا سلطة القصر.. بل نشأ كنتاج طبيعى لثورة الشعب فى 1919، وما ترتب عليها من مكاسب للشعب فى مواجهة الإنجليز والسلطان فؤاد ( الملك فيما بعد).
كان الشعب ملتفا حول سعد باشا، ويحتاج تنظيما سياسيا جامعا، يخوض به انتخابات 1924، فنجح الوفد باكتساح وأصبح سعد زغلول أول مصرى من أصول ريفية يتبوأ منصب رئيس الوزراء، وسميت وزارته باسم «وزارة الشعب».
أيضا الوفد الذى عاد فى 4 فبراير 1978، لم تنشئه سلطة الرئيس السادات، ولم يكن نتاج صفقة لتفتيت إرث الاتحاد الاشتراكى، والدليل أن السادات نفسه لم يتحمل الوفد، فقرر فؤاد سراج الدين تجميد نشاط الحزب فى 2 يونيو 1978 لرفضه أن يكون حزبًا مستأنسًا.. أى بعد 4 أشهر فقط من إنشائه.
وفى عصر الرئيس مبارك، عندما عاد الوفد لممارسة العمل السياسى أواخر عام 1983، وتم قبول أوراقه ليخوض انتخابات 1984، كان قرار العودة والمشاركة فى الانتخابات، قرارين ذاتيين، لم تفرضهما السلطة وقتها.. والدليل معارك الوفد حزبا وصحيفة ضد أخطاء السلطة حتى حل مجلس الشعب بناءً على استفتاء شعبى أُجرى فى أكتوبر 1990، إثر حكم المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية الانتخابات.
ومن الظلم البين، تحميل الوفد، خطايا حياة حزبية مصرية متذبذبة منذ 1924 وحتى الآن.
فالملك فؤاد وصف الوزراء الوفديين بـ»الهلافيت» بعد أن اكتفوا بالانحناء والمصافحة بدلًا من تقبيل يده فى افتتاح البرلمان عام 1924، معتبرًا ذلك قلة أدب، وأنهم كانوا أفندية وبكوات وجعلهم باشوات.. وسرعان ما استعان بأحزاب الموالاة ضد سعد زغلول ثم النحاس باشا.
والملك فاروق ورث عن والده كره حزب الوفد، وكان ينظر إلى النحاس كتهديد لسلطته المطلقة ومنافسًا على شعبية الشارع المصرى.
والرئيس عبدالناصر، كلنا يعرف ماذا فعل بفؤاد سراج الدين والنحاس باشا والوفديين بشكل عام، وهو ما ينطبق أيضا على الرئيس السادات باعتبار أن كليهما ( عبدالناصر والسادات) شركاء فى خصومة يوليو ضد الوفد.
فى عهد مبارك، الذى لا ينكر أحد انه كان يقدر بشكل شخصى فؤاد باشا سراج الدين، إلا أن انعكاس ذلك على الوفد لم يحدث، إذ كانت الدولة تتخندق فى كل انتخابات ضد الوفد ومرشحيه فى 1984 و1987، ثم التقطت مقاطعة الوفد لانتخابات 1990 ورسمت خطوطا جديدة لتقزيم الوفد حتى 2010.
الأمر نفسه حدث فى عهد الإخوان، باعتبار العداء التاريخى بين الوفد والإخوان ممتد منذ 1928.
الحقيقة أن السلطة الوحيدة التى لا تحمل ثأرا مع الوفد هى السلطة الحالية، والرئيس الوحيد الذى يعتبر الوفد «قلعة من قلاع الحياة السياسية المصرية» و«أمينًا على تراث الحركة الوطنية» هو الرئيس السيسى.
أتمنى أن تستثمر الدولة تجربة الوفد، وتبنى عليها حياة حزبية سليمة.. فمصر تستحق ذلك.