ديمقراطية بيت الأمة
فى تاريخ الحياة الحزبية المصرية، يظل حزب الوفد العريق، علامة فارقة، لا تُقاس بعمره الممتد على مدار 107 أعوام، أو دوره الوطنى، بل بقدرته المتجددة على ممارسة الديمقراطية بوصفها سلوكًا مؤسسيًا لا شعارًا عابرًا.
لقد أكدت الانتخابات الأخيرة لرئاسة حزب الوفد، أن «بيت الأمة» ما زال قادرًا على تقديم نموذج سياسى راقٍ، تتجسد فيه المنافسة الحرة، واحترام القواعد التنظيمية، والاحتكام إلى الإرادة الحرة للأعضاء.
القاصى والدانى شهد أن تلك الانتخابات اتسمت بدرجة عالية من الجدية، سواء على مستوى التنظيم أو طبيعة المنافسة، إذ كانت مواجهة قوية بين الدكتور السيد البدوى، بما يحمله من خبرة تنظيمية وتاريخ قيادى داخل الوفد، وبين الدكتور هانى سرى الدين، الذى قدّم رؤية تستند إلى خطاب إصلاحى قانونى وسياسى يعكس تطلعات قطاع واسع من الأعضاء.
لعل أبرز الدروس المستفادة أن تلك الثنائية فى التنافس، لم تكن مصدر انقسام، بقدر ما كانت تعبيرًا صحيًا عن تنوع الرؤى داخل الحزب الواحد، وهو جوهر أى ممارسة ديمقراطية حقيقية، والأهم من ذلك أنها عكست نضجًا سياسيًا تراكمَ عبر عقود، ووعيًا راسخًا بأن قوة الحزب لا تُبنى على الشخص، بل على المؤسسة، ولا تُصان إلا باحترام قواعدها الداخلية.
إن هذه التجربة أثبتت أن حزب الوفد رغم ما مرَّ به من تحديات سياسية وتنظيمية ما زال يحتفظ بجوهره الليبرالى الذى يُقدِّس التعدد ويؤمن بتداول القيادة، فالمنافسة بين البدوى وسرى الدين لم تُختزل فى صراع شخصى، بل تحولت إلى نقاش علنى حول مستقبل الحزب، ودوره الوطنى، وآليات استعادة فاعليته فى المشهد السياسى المصرى.. وهذا فى حد ذاته مكسب ديمقراطى يتجاوز نتيجة الصندوق.
أما عن مستقبل الوفد فى المرحلة المقبلة، فإنه يظل مرهونًا بقدرته على البناء على هذه التجربة الديمقراطية، وتحويلها من حدث انتخابى إلى نهجٍ دائم فى إدارة الخلاف وصناعة القرار، فالتحدى الحقيقى لا يكمن فقط فى اختيار رئيس للحزب، بل فى إعادة تفعيل دوره السياسى، وتجديد خطابه، وتوسيع قاعدته الجماهيرية، خاصة بين الأجيال الجديدة، دون التفريط فى ثوابته الوطنية وتاريخه العريق.
لعل من أهم الدروس المستفادة أن الانتخابات بعثت برسالة واضحة إلى الساحة السياسية مفادها أن الأحزاب القادرة على البقاء هى تلك التى تجدد دماءها عبر آليات ديمقراطية حقيقية، وتسمح بتعدد الأصوات داخلها دون خوف أو وصاية، فبيت الأمة، بتاريخه ورمزيته، أثبت أنه لا يعيش على أمجاده فقط، بل يسعى إلى إعادة إنتاج ذاته وفق مقتضيات الحاضر.
وفى الختام، لم تكن انتخابات رئاسة حزب الوفد مجرد استحقاق تنظيمى، بل كانت اختبارًا ناجحًا لثقافة ديمقراطية راسخة، أكدت أن الوفد ما زال مدرسة سياسية قادرة على تقديم نموذج يُحتذى، والرابح الحقيقى هو الحزب ذاته، الذى خرج من التجربة أكثر تماسكًا، وأكثر قدرة على استعادة دوره الوطنى، مستندًا إلى إرث عريق وإرادة ديمقراطية حية.
[email protected]