بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

تكميم أفواه أساتذة الجامعات

كان وما زال أساتذة الجامعات يقودون قاطرة الفكر والعلم في العالم أجمع، وهم يمثلون عصب النخبة المجتمعية في مختلف الأوطان، لذا اهتمت الولايات المتحدة الأمريكية براوتب أعضاء هيئة التدريس التي تتراوح ما بين 90 ألف دولار إلى 155 ألف دولار سنويًا وفقًا لكل درجة علمية وعادة ما تصل إلى 250 ألف دولار في بعض التخصصات بالكليات الطبية والهندسية والتكنولوجية، لذا تبوأت الولايات المتحدة الأمريكية المرتبة الأولى عالمياً في مجال الابتكار والبحث العلمي، وتتصدر دول العالم في الإنفاق على البحث والتطوير (بمبالغ تتجاوز 627 مليار دولار سنوياً)، كما تمتلك أفضل الجامعات عالمياً، وتسيطر على مجالات التقنية، والذكاء الاصطناعي، وعلوم الفضاء، وتستقطب أفضل الطلاب والباحثين في العالم، فمن مصر استقطبت العديد من العلماء كأمثال الدكتور فاروق الباز، والدكتور مجدي يعقوب، والدكتور أحمد زويل وغيرهم الكثير والكثير، أما في بعض الدول العربية وبصفة خاصة الأفريقية فضربت عاصفة التهميش أساتذة الجامعات بانخفاض المرتبات ولم يصبح لهم أي امتيازات، فراتب عميد الكلية لا يساوي 300 دولار، فما ظنك بأعضاء هيئة التدريس، إنه واقع مرير يدعو للنفير والهروب للعمل بالخارج لانقاذ أنفسهم من الوقوع في بئر الفقر- بعد منعهم من ممارسة أي أعمال تجارية أو معمارية أو ممارسات اقتصادية لتحسين أوضاعهم الاجتماعية- وعلى الرغم من صبر أيوب الذي أصابهم دعمًا لأوطانهم، لكونهم ورثة الأنبياء، والأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا ولكنهم ورثوا العلم؛ خرج علينا المجلس الأعلى للجامعات بضوابط استخدام مواقع التواصل الاجتماعي لأعضاء هيئة التدريس بالجامعات، فكان من بينها ضوابط لتكميم أفواه شريحة من أساتذة الجامعات التي وجدت ضالتها في مواقع التواصل الاجتماعي للتعبيرعن آرائها وأفكارها تجاه القضايا المجتمعية والأوضاع الاقتصادية، فضلًا عن النقد الساخر والفكاهي الجاذب، فأخرجت لهم الجامعات مطرقة قرار الظهور الإعلامي وسندان استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، فحظرت على عضو هيئة التدريس والهيئة المعاونة أن ينشئ حسابًا عبر وسائل التواصل الاجتماعى، يقدم من خلاله محتوى مرئياً أو مسموعاً أو مكتوباً يتعلق بأى من المقررات الدراسية التى تدرس بالجامعة - حتى لو كان المحتوى المقدم بالمجان- إلا بعد موافقة معتمدة من الجامعة، كما يحظر عليه أن ينشر من خلال أى حساب للتواصل الاجتماعى ما يتعارض مع سياسات الجامعة، وقواعدها، وآدابها، وأخلاقيتها. 
فأوصدت هذه الضوابط صفحات التواصل الاجتماعي في وجه عضو هيئة التدريس، الذي أراد أن ينشر علمًا تعلمه، كهدي نبوي ودور اجتماعي توعوي؛ والجميع يعلم أن الكثير من أفراد المجتمع يلجأ لمواقع التواصل الاجتماعي للحصول على المعلومات والخبرات من أساتذة الجامعات في مختلف المجالات( طب وهندسة وصيدلة وتكنولوجيا وآداب وفنون )، كما أنهم يحصلون على أمور دينهم ودنياهم من فتاوى دينية وقضايا فقهية مستحدثة عن طريق مواقع التواصل من أساتذة الكليات الشرعية بجامعة الأزهر، الذين لم تمكنهم ظروفهم من الجلوس بين أيديهم والنهل من علمهم وأخلاقهم؛ لذا يجب على أفراد المجتمع البحث في دورب علوم علماء الشرق والغرب، ولا ينتظروا غيثًا من علماء الوطن فقد تم تكميم أفواههم؛ كما أن هناك بعض أعضاء هيئة التدريس الذي أنشأ قنوات على مواقع التواصل الاجتماعي لتحسين أحواله الاقتصادية ونقل نفسه من بوتقة الفقر المقنع، فكانت هذه القنوات مصدر دخل له أفضل من الجنيهات التي يتقضاها من الجامعات- في ظل ارتفاع أجور أصحاب الحرف المهنية وانخفاض أجور أصحاب الوظائف الجامعية، الذين صبروا على أجورهم حتى يئس الصبر منهم- فهل سيتم غلق نافذة هذه القنوات وانتظارهم في طابور الأموات.    
وإذا كنتم ستغلقون كل الأبواب في وجوه أساتذة الجامعات فإننا لن ننتظر طويلًا حتى نرى هروبًا جماعيًا في مختلف المجالات الطبية والهندسية والتكنولوجية والتخصصات النادرة، وما حدث في كلية طب الإسكندرية ليس عنكم ببعيد، عندما تقدم المعيدون باستقالات جماعية للسفر لماما أوروبا، فأستفيقوا يرحمكم الله.
كما نصت هذه الضوابط على عدم إفشاء أسرار العمل وعدم تداول ونشر المخاطبات والمكاتبات والمستندات والقرارات الرسمية الجامعية، وهو ما يعد تحصينًا ذاتيًا، وترهيبًا مجتمعيًا، لعدم كشف أوجه الفساد والمفسدين في الجامعات، فنصبت الجامعة نفسها خصمًا وحكمًا، وأقامت محاكم التفتيش، لأي عضو هيئة تدريس يخرج من أحضانها إلى أحضان مواقع التواصل الاجتماعي، التي أصبحت رقابة إدارية يخشاها الناس أكثر من خشيتهم أنفسهم، وأصبحت رقيبًا على تصرفاتهم وأفعالهم، فكم من مسئول تم إقالته، وآخر من الحكم خلعته، ومظلوم أنصفته، وحق أرجعته، ومهزوم نصرته، فإلى الله المشتكى، لكم الله يا أساتذة الجامعات. 
ارفعوا أيديكم عن أساتذة الجامعات فهم قادة الفكر، ومنبع العلم، وصناع الوعي، وفخر الأمة، ورمز الإصلاح، وشريان حياة الأمم.

أستاذ الصحافة المساعد بكلية الإعلام جامعة الأزهر