بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

تنمية الموارد فى مصر: من اقتصاد الخامات إلى دولة القيمة المضافة

لم تعد تنمية الموارد فى مصر خيارًا تنمويًا قابلًا للتأجيل، بل أصبحت المدخل الحتمى لأى انطلاقة اقتصادية حقيقية تسعى إلى الاستقرار والنمو المستدام. ففى عالم تتسارع فيه التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، لم يعد مقبولًا الاعتماد على الموارد التقليدية بصورتها الخام، أو الاكتفاء بدور العبور والاستهلاك، بينما تُصنع القيمة الحقيقية فى حلقات التصنيع والتوطين والتصدير.

تمتلك مصر حزمة نادرة من الموارد الاستراتيجية هي؛ موقع جغرافى فريد يربط القارات، ثروات تعدينية غير مستغلة بالكامل، قاعدة زراعية واسعة، وطاقة بشرية شابة قادرة على الإنتاج والابتكار. غير أن التحدى لا يكمن فى توافر الموارد، بل فى كيفية إدارتها داخل منظومة إنتاج متكاملة تحوّل الأصول الطبيعية إلى منتجات نهائية عالية القيمة، تدعم الناتج المحلى وتعزز القوة الاقتصادية للدولة.

ويأتى محور قناة السويس نموذجًا دالًا على هذا التحول المنشود. فلم تعد القناة مجرد ممر ملاحى عالمى، بل يجب أن تتحول إلى منصة صناعية ولوجستية متكاملة، تضم مناطق تصنيع متقدم وسلاسل قيمة مضافة، تستفيد من الموقع والطاقة والبنية التحتية، وتربط الإنتاج المحلى بالتجارة الدولية. وبالتوازى، رسّخت مصر موقعها كمركز إقليمى للطاقة عبر اكتشافات الغاز الطبيعى، والتوسع فى الطاقة الشمسية والرياح، ما يفتح الباب أمام توطين الصناعات كثيفة الطاقة وتقليل فاتورة الاستيراد وتعزيز الاستقلال الاقتصادى.

ولا يمكن الحديث عن اقتصاد قوى دون حسم ملف تصدير المواد الخام. فالتجارب الدولية تؤكد أن الثروة لا تُقاس بحجم الموارد، بل بقدرة الدولة على تصنيعها. ومن هنا تبرز ضرورة تبنى سياسة وطنية واضحة تقوم على منع تصدير الخامات بصورتها الأولية—سواء كانت معدنية أو زراعية أو طاقوية—إلا بعد إدخالها فى عمليات تصنيع وتحويل صناعى تضاعف قيمتها السوقية، وتخلق فرص عمل، وتبنى صناعات محلية مستدامة. هذا التوجه لا يرفع العائد الاقتصادى فقط، بل يحمى الأمن الصناعى ويحوّل مصر من مُصدّر خامات إلى مُصدّر منتجات وتكنولوجيا.

وتتطلب هذه الرؤية دعمًا حقيقيًا لتوطين الصناعة وبناء سلاسل إنتاج محلية تقلل المكوّن المستورد، مع تمكين المشروعات الصغيرة والمتوسطة لتكون مغذّيًا رئيسيًا للصناعة الكبرى. كما أن توجيه الصادرات المصرية بمنتجات نهائية عالية الجودة إلى الأسواق الإفريقية والأوروبية يعزز تدفقات العملة الصعبة، ويرفع المعايير الصناعية، ويعيد الاعتبار لعلامة “صُنع فى مصر”.

وفى عصر الثورة الصناعية الرابعة، تبقى تنمية الإنسان هى الضمانة الحقيقية للاستدامة؛ عبر التعليم الفنى، والتدريب المهنى، والتحول الرقمى الذى يدمج الاقتصاد غير الرسمى، ويرفع كفاءة الإدارة والإيرادات.

ختامًا، لم تعد تنمية الموارد فى مصر مسألة اقتصادية فحسب، بل مشروع سيادة وطنية. فالدول القوية لا تُقاس بما تمتلكه من ثروات، بل بما تصنعه منها. ومن خلال التصنيع العميق، وتكامل الموارد، ومنع تصدير الخام دون قيمة مضافة، تستطيع مصر أن تنتقل بثقة من اقتصاد الموارد إلى اقتصاد القيمة، ومن دولة مستهلكة إلى قوة إنتاجية صاعدة ذات وزن إقليمى ودولى.