دماء شهداء الشرطة.. الملهم الأكبر فى تحرير الوطن
لا يقتصر واجبنا الوطني من كل عام، على أن يوم 25 يناير هو عيد الاحتفال بالشرطة المصرية فحسب، بل إن هذا التاريخ منذ 74 عامًا قد مهد القدر الإلهي لهُ بأن تتحرر مصر وتنعم بالاستقلال والسيادة الوطنية، بعد أن تم جلاء القوات البريطانية عنها.
وهذا الجلاء هو ما كانت تتمسك به حكومة الوفد، وموضع اهتمام ومطلب دائم لها، منذ أن كان ينادى به زعماء الأمة ، سعد زغلول ومصطفى النحاس ، وأن الآية المبصرة والذكرى المخلدة الذى يحفل بها التاريخ ،وسجلها فى صدر صفحاته فى 25 يناير من عام 1952، عندما انبثق فجر هذا اليوم المجيد ، إلا وكان رجال الشرطة المصرية من الضباط والجنود ، على موعد مع القدر مجاهدين دفاعًا عن الوطن، متمنين نيل الشرف الأسمى والأعظم، وهو الاستشهاد فى سبيل الله،بعد أن رفضوا بكل إباء وشمم أن يكونوا فى حالة استعباد وإذلال وضعف، بل قبلوا التحدى للإنذار البريطانى ، الذى كان يأْمرُهُم بمغادرة موقع ثكناتهم ، والرحيل عن مبنى محافظة الإسماعيلية، وهذا الإنذار قد تقدم به القائد إكسهام ،قائد القاعدة العسكرية البريطانية فى منطقة القناة ، إلى قائد البوليس المصرى فى الإسماعيلية اللواء أحمد رائف والأخير لم يصغي إلى هذا التهديد ، وأسرع مُخَاطَبًا وزير داخلية حكومة الوفد، الزعيم خالد الذكر فؤاد باشا سراج الدين ، الذى وصله الإنذار بأن ضباط وجنود الثكنات ، فى دار المحافظة وبلوكات النظام،إذلم يرحلوا عن هذه المقرات تاركين أسلحتهم البدائية، فسوف يتم هدمها فوق رؤوس من فيها ومنها مبنى الدار، بعد أن طوقتها يد الاحتلال المستبد بحصارًا من كل جانب.
وقد أبي سراج الدين الخضوع والاستسلام ، وفى عزيمة وكرامة وطنية حرة ، كان قراره التاريخى الملهم الصادر منه، إلى القوات المحاصرة هو الدفاع عن عرين هذا المبنى ومحل الثكنات لآخر طلقة فى السلاح ، وعندما وصل هذا الرد المفعم بالوطنية إلى الضابط مصطفى رفعت قال قوله المشهود والمذكور فى كتب التاريخ، لن يتسلم البريطانيون منا إلا جثثا هامدة ،وهذه المقولة قد ألهمت وأشعلت روح الفداء والتضحية، وشدَّ أزر الأبطال، وكان عددهم 800 روح نفس طاهرة واقفين سدًا منيعًا ، قادرين على تحمل المسئولية الوطنية والقانونية فى حراسة المبنى ،ثم 300 روح طاهرة تقف خدمة فى محل الثكنات ، هؤلاء المؤمنون المجاهدون فى سبيل الله ، قد واجهوا وتصدو لبطش 8000 معتدى من قوات الظلم والعدوان، المتسلحين بجيش كامل من ترسانة الأسلحة المتطورة فى ذلك الوقت، أمام بنادق تقليدية الصنع فى يد جنود الوطن ، وقد نال وشرف الشهادة من هؤلاء الأبرار ، 50 شهيد و80 جريح والذى تبقى منهم على قيد الحياة، قد وقع أَسيرًا فى وطنه مدافعًا عنه وعن شرفه ، وفى يد جيش الاحتلال، وكانت موقعة الإسماعيلية نهاية لعهد طغاة الاستعمار فى مصر ، بعد أن حدثت الاضطرابات والأزمات السياسية التى وقعت فى البلاد، ومنها المجزرة التي قام بها المستعمر البغيض، ضد الفدائيين فى مدن القناة، ومنهم من أعدم رميا بالرصاص، ثم في 26 يناير اليوم التالى لمذبحة الشهداء حدث حريق القاهرة ،وأصبح الطريق ممهدا إلى قيام ثورة 23 يوليو 1952 وخلع النظام الملكي ، وإعلان الجمهورية رسميًا في 18 يونيو عام 1953، ثم بدء مفاوضات الجلاء يوم الاثنين الموافق 27 أبريل 1953، بين حكومة الثورة ومندوب حكومة المملكة المتحدة ، السير رالف ستيفسون والجنرال سير بربان روبرتسون ،وبعدها تم الاتفاق التاريخى على الجلاء التام ، عن الأراضى المصرية خلال 20 شَهْرًا ، الذى وقعه الرئيس جمال عبد الناصر مع رئيس الجانب البريطانى فى هذا الاتفاق ، مستر انطونى هيد وزير الحربية البريطاني وكان ذلك يوم الثلاثاء 27 يوليو 1954، على أن يكون يوم 18 يونيو 1956 مغادرة آخر جندى بريطانى عن تراب الوطن ، الذى هو يوم عيد الجلاء، وقد صار شهداء الشرطة هم الذين رووا بدمائهم الطاهرة النقية شجرة الاستقلال والحرية ، بعد أن غرسوا منبت جذورها شهداء مجزرة الإسماعيلية ، والتاريخ لا ينسى سير عظماء الرجال من أبناء الشرطة الأبرار.