بلو أوريجن توقف رحلات السياحة الفضائية للتركيز على الهبوط البشري على القمر
قررت شركة بلو أوريجن، المملوكة للملياردير جيف بيزوس، تعليق رحلاتها السياحية إلى الفضاء خلال الفترة المقبلة، في خطوة تعكس تحولًا استراتيجيًا واضحًا في أولويات الشركة.
ووفقًا للمعلومات المتاحة، لن تقوم بلو أوريجن بإطلاق رحلات New Shepard المخصصة للسياح لمدة لا تقل عن عامين، وذلك من أجل التركيز على تطوير قدراتها المتعلقة بالهبوط البشري على سطح القمر ضمن برنامج أرتميس التابع لوكالة ناسا.
هذا القرار يعني فعليًا توقف واحدة من أكثر التجارب الفضائية التجارية شهرة خلال السنوات الأخيرة، وهي الرحلات شبه المدارية التي تتيح للركاب اختبار انعدام الوزن لبضع دقائق قبل العودة إلى الأرض.
وبدلًا من ذلك، ستوجه الشركة مواردها الهندسية والتقنية إلى مشروع أكثر تعقيدًا وطموحًا، يتمثل في تصميم وتطوير أنظمة هبوط قادرة على نقل رواد فضاء إلى سطح القمر.
بلو أوريجن تُعد واحدة من شركتين اختارتهما وكالة ناسا لتطوير أنظمة الهبوط البشري في إطار برنامج أرتميس، إلى جانب شركة سبيس إكس.
وتشارك بلو أوريجن تحديدًا في تطوير مركبات الهبوط المخصصة لمهمتي Artemis III وArtemis V، وهما من أهم المراحل المخطط لها ضمن البرنامج الذي يهدف إلى إعادة البشر إلى القمر بعد غياب دام عقودًا.
في البداية، كانت بلو أوريجن مكلفة بتصميم نظام الهبوط البشري لمهمة Artemis V، حيث كان من المخطط أن تنقل مركبة الهبوط رواد الفضاء من محطة Gateway المدارية التابعة لناسا إلى منطقة القطب الجنوبي للقمر، لكن التطورات الأخيرة أدت إلى توسيع دور الشركة بشكل أكبر مما كان متوقعًا.
فخلال العام الماضي، طلبت ناسا من بلو أوريجن العمل على تصميم مركبة هبوط بديلة لمهمة Artemis III، وذلك بعد أن واجهت شركة سبيس إكس تأخيرات متكررة بسبب إخفاقات في اختبارات مركبة Starship، وتُعد Artemis III مهمة محورية، إذ يُفترض أن تكون أول مهمة هبوط مأهولة على سطح القمر ضمن برنامج أرتميس.
وتكتسب Artemis III أهمية سياسية إلى جانب أهميتها العلمية، حيث تسعى الإدارة الأمريكية الحالية إلى إنجاز المهمة قبل نهاية الولاية الرئاسية، ما يفرض ضغوطًا زمنية إضافية على الشركات المشاركة، ويجعل تسريع وتيرة التطوير أولوية قصوى.
في هذا السياق، يبدو أن بلو أوريجن فضّلت إعادة ترتيب أولوياتها، حتى وإن كان ذلك على حساب قطاع السياحة الفضائية الذي أسهم في تعزيز شهرتها عالميًا، فرحلات New Shepard، رغم رمزيتها، تظل أقل تعقيدًا تقنيًا مقارنة بتطوير نظام هبوط قادر على العمل في بيئة قمرية قاسية، ونقل رواد فضاء بأمان من المدار إلى السطح ثم العودة.
مركبة New Shepard صُممت أساسًا لرحلات دون مدارية، حيث ترتفع إلى حافة الفضاء، وتصل إلى خط كارمان، ثم تعود إلى الأرض. خلال هذه الرحلة القصيرة، يختبر الركاب بضع دقائق من انعدام الوزن قبل الهبوط، وكانت أول رحلة سياحية مأهولة للمركبة في عام 2021، وشارك فيها جيف بيزوس نفسه، في خطوة لفتت أنظار العالم إلى طموحات بلو أوريجن التجارية.
منذ تلك الرحلة، نفذت New Shepard 37 عملية إطلاق وهبوط ناجحة، ونقلت 98 راكبًا إلى الفضاء شبه المداري، من بينهم شخصيات عامة ومشاهير، مثل المغنيّة كاتي بيري والممثل ويليام شاتنر، هذه الرحلات ساعدت في ترسيخ فكرة السياحة الفضائية كواقع ممكن، ولو لفئة محدودة من الأثرياء.
لكن تعليق هذه الرحلات يسلط الضوء على التحديات التي تواجه شركات الفضاء الخاصة عند محاولة الجمع بين المشاريع التجارية قصيرة المدى والمشروعات الاستراتيجية طويلة الأجل، فالعمل مع ناسا ضمن برنامج أرتميس يتطلب التزامًا تقنيًا وماليًا ضخمًا، وقدرة على تلبية معايير صارمة تتعلق بالسلامة والموثوقية.
ويرى مراقبون أن قرار بلو أوريجن يعكس أيضًا إدراكًا متزايدًا بأن السباق نحو القمر لم يعد مجرد استعراض تقني، بل جزء من رؤية أوسع تشمل استكشاف الفضاء العميق وبناء وجود بشري مستدام خارج الأرض. وفي هذا الإطار، تصبح السياحة الفضائية مسألة ثانوية مؤقتًا.
حتى الآن، لم تعلن بلو أوريجن موعدًا محددًا لاستئناف رحلات New Shepard، ما يترك مستقبل السياحة الفضائية التابعة لها معلقًا إلى حين الانتهاء من المراحل الأساسية في مشاريع الهبوط القمري. ومع ذلك، يظل من المرجح أن تعود الشركة إلى هذا المجال لاحقًا، بعد أن تضع بصمتها في واحدة من أهم المهام الفضائية في القرن الحادي والعشرين.