الزاد
قواعد إدارة الدولة
حين قال الرئيس عبد الفتاح السيسي بصراحة: «اللي مش عارف يغادر»، لم يكن ذلك تعبيرًا قاسيًا أو لحظة انفعال، بل قاعدة واضحة في إدارة الدولة. المقصود هنا ليس الإقصاء ولا الاتهام، وإنما تحميل المسؤولية كاملة لمن يتولى موقعًا عامًا. فالمسؤول إما أن يعرف مؤسسته، ويدرك مشكلاتها، ويملك القدرة على تطويرها، أو يعترف بعدم قدرته ويتخذ القرار الأصعب والأشرف، المغادرة.
الرئيس وضع الجملة في سياق أخلاقي ومهني، مؤكدًا أن المنصب ليس حقًا مكتسبًا ولا مكافأة، بل أمانة. ومن لا يملك الرؤية أو الأدوات أو الجرأة على الإصلاح، فإن استمراره لا يخدم الدولة ولا المؤسسة، بل يراكم الأزمات ويؤجل الحلول. هنا تصبح المغادرة فعل نزاهة، لا فشلًا، واحترامًا للمسؤولية قبل أن تكون خسارة للموقع.
الرئيس قالها صريحة
للمسؤولين، أن كل واحد سيُحاسَب على كل ما هو مُمسِك به، قائلًا:
أنت فاكر نفسك جاي تقضي وقتًا سعيدًا؟
أنت وراك مؤسسة لازم تطورها، وتحسّنها، وتزود الشفافية فيها، وتحافظ على شرفها، وأمنها، وكفاءتها، وجدارتها.
كلنا مسؤولون، لكن المسؤولية هنا ليست منصبًا، بل أمانة.
«أنا بقيم الحُجّة عليكم أمام الناس، وأمام رب الناس».
في كلمته بمناسبة الذكرى الرابعة والسبعين لعيد الشرطة، لم يقتصر حديث الرئيس عبد الفتاح السيسي على الاحتفال بالمناسبة أو توجيه التحية لرجال الشرطة، بل قدّم خطابًا شاملًا ومباشرًا، يمكن اعتباره خريطة طريق لفهم معنى المسؤولية، وحدودها، وخطورتها، وأهم أدواتها: الوعي.
الرئيس تحدث بوضوح غير معتاد عن ضرورة أن تمتلك كل مؤسسات الدولة نقدًا ذاتيًا أمينًا. لم يطالب بتجميل الواقع، ولم يدعُ إلى جلد الذات، بل إلى الصدق مع النفس. فكل مؤسسة تعرف جيدًا ما بداخلها، ومن خدم فيها منذ أن كان شابًا في العشرينات حتى وصل إلى موقع المسؤولية، رأى كل شيء، ورصد كل التفاصيل، ولا يحتاج لمن يشرح له أين الخلل وأين مواطن التطوير.
وأكد الرئيس أن المنصب العام ليس وجاهة اجتماعية، ولا فرصة لقضاء “وقت سعيد”، بل أمانة ثقيلة. كل مسؤول سيُحاسَب على ما كان في يده، أمام الناس، وقبل ذلك أمام الله. وميّز بوضوح بين من هو مسؤول عن نفسه فقط، ومن هو مسؤول عن الناس، فالأخير حسابه أشد، ومسؤوليته أعظم، ولا يكفيه حسن النية أو بذل الجهد إذا غابت النتائج.
وكانت واحدة من أكثر رسائل الخطاب حسمًا هي تأكيد الرئيس أن من لا يعرف، فعليه أن يتعلم، ومن لا يستطيع، فعليه أن يغادر. فالبقاء في موقع المسؤولية دون قدرة على الإصلاح ليس فضيلة، وتأجيل المواجهة أخطر من الاعتراف بالعجز. المغادرة هنا ليست هروبًا، بل احترام للدولة، وللمؤسسة، وللنفس.
ولم يكن حديث الرئيس عن المسؤولية منفصلًا عن حديثه الأهم عن الوعي، باعتباره قضية لا تنتهي ولا يجوز السكوت عنها. فقد ذكّر بأن الدولة المصرية نزفت لأكثر من عشر سنوات، منذ 2011 وحتى 2022، في الأرواح والمستقبل، نتيجة ما تعرض له الوعي من تشويه واختطاف، وبفضل من الله، ثم بتضحيات مؤسسات الدولة، تمكنا من التغلب على موجة الإرهاب، لكن المعركة لم تنتهِ.
الرئيس شدد على أن الوعي ليس ملفًا مرحليًا، ولا موضوعًا يُطرح عند الأزمات فقط، بل مسؤولية دائمة. في الإعلام، في المساجد، في المدارس، في الجامعات، في البيوت، وفي أجهزة الدولة بالكامل. لأن المعركة الحقيقية ليست فقط مع سلاح أو تنظيم، بل مع فكر، ومع قدرة على التمييز والفهم، ومع عقل يُحصَّن قبل أن يُستَغل.
وتوقف الرئيس عند البُعد الزمني للأجيال، مؤكدًا أن من كانوا في العشرينات وقت الأحداث أصبحوا اليوم في الثلاثينات، وقد تعلموا الدرس بالتجربة. لكن التحدي الحقيقي هو مخاطبة الأجيال الأصغر: من هم في الثانية عشرة والرابعة عشرة والخامسة عشرة والسابعة عشرة. هؤلاء هم رجال وسيدات الغد، ولا يجوز تركهم في عالم مضطرب، مفتوح، متشابك، دون وعي يحميهم، ودون خطاب صادق يشرح لهم ما حدث، ولماذا حدث، وكيف نتفادى تكراره.
لهذا قال الرئيس بوضوح: سأتحدث عن الوعي كثيرًا، ولن أتوقف. لأن ثمن الغفلة كان باهظًا، ولأن الدولة التي لا تبني وعي أبنائها، تترك مستقبلها مكشوفًا. الوعي هنا ليس ترفًا ثقافيًا، بل أمن قومي، لا يقل أهمية عن السلاح، ولا ينفصل عن معركة البناء والاستقرار.
خطاب الرئيس في عيد الشرطة لم يكن خطاب مناسبة، بل خطاب مسؤولية، ومكاشفة، وتحذير، ودعوة صريحة لأن تكون مؤسسات الدولة واعية بذاتها، صادقة مع نفسها، مستمرة في توعية المجتمع، وحريصة على الإنسان قبل أي شيء.