حين انتصرت الأخلاق على الضجيج… الوفد يكتب دستور الشرف السياسي
في لحظة نادرة وسط صخب السياسة وضجيج المصالح، وقف حزب الوفد—أقدم حزب ليبرالي في العالم—ليعيد تعريف الديمقراطية لا كنصوص تُتلى، بل كقيمة تُمارس، وكأخلاق تُختبر ساعة الحقيقة. لم تكن انتخابات رئاسة الوفد مجرد إجراء تنظيمي، بل كانت امتحان ضمير خرج منه الحزب مرفوع الرأس.
في هذا اليوم، لم نرَ سباقًا محمومًا على كرسي، بل شاهدنا تنافسًا نبيلًا على خدمة فكرة. فكرة أن السياسة يمكن أن تكون إنسانية، وأن الاختلاف لا يفسد للوطن قضية، وأن الحزب لا يُختصر في شخص مهما علا شأنه. وقف الدكتور سيد البدوي والدكتور هاني سري الدين كرمزين لمدرسة سياسية واحدة، أبناء بيت واحد، يختلفون في الاجتهاد، ويتفقون في الانتماء، ويجتمعون تحت راية الوفد التي لا تنحني.
ثمانية أصوات فقط صنعت الفارق، لكنها كشفت الفارق الأكبر: فهذا الرقم له دلالات صحية غير مسبوقة في الممارسة الديمقراطية النظيفة التي يجب أن تدرس لدول عتيقة في ديمقراطياتها.
الفارق بين سياسة تُدار بالأخلاق، وأخرى تُدار بالضجيج.
صناديق الاقتراع تحولت إلى محاكم شرف، قالت كلمتها دون صراخ، وحسمت القرار دون إهانة، وأعلنت النتيجة دون أن تجرح أحدًا. لم نسمع سبًّا، لم نشهد تشويهًا، لم تُستخدم الملفات كسكاكين، بل حضرت العقول الواثقة التي تعرف أن الكرامة لا تُقايَض بالأصوات.
وهنا، كان الانتصار الحقيقي لضمير الأمة وتاريخها الذي سجلته بأحرف من نور ضمائر الهيئة الوفدية.
لا منتصر ومهزوم، بل حزب انتصر على نفسه، وعلى إغراءات الانقسام، وعلى أمراض السياسة التي فتكت بكثيرين. انتصر الوفد لفكرة أن الخلاف يمكن أن يكون صحيًا، وأن الهزيمة لا تُسقط القيمة، وأن الفوز لا يمنح حق التعالي ولا تصفية الحسابات.
ما جرى داخل الوفد لم يكن شأنًا حزبيًا ضيقًا، بل رسالة وطنية عالية النبرة، تقول للمجتمع السياسي كله: هكذا تُدار المنافسة عندما يكون الوطن هو السقف، والضمير هو الحكم، والتاريخ هو الرقيب. هكذا تُبنى الأحزاب الحقيقية النابعة من رحم الأمة التي تصلح لأن تكون سندًا للدولة، لا عبئًا عليها، وضميرًا للأمة لا صدى للمصالح.
إن هذه الديمقراطية الوفدية المتجذرة ليست مجرد لحظة جميلة، بل هي ما يمنح الوفد شرعيته الأخلاقية، وقدرته على أن يكون معارضة وطنية واعية، تملأ الفراغ بين الشارع وقيادته، وتُعيد الثقة في العمل العام، وتغلق الأبواب أمام التدخلات الأجنبية والأمراض الدخيلة التي شوهت السياسة بعد سنوات الفوضى.
فليُسجَّل هذا اليوم كعلامة مضيئة، لا تُعلّق على الجدران، بل تُحفر في الوجدان.
وليكن عهدًا جديدًا:
أن تظل الديمقراطية في الوفد ممارسة حيّة، لا موسمية.
وأن يظل الاختلاف شرفًا، لا لعنة،
وأن يبقى الوطن هو الغاية، لا الغنيمة.
تحية لحزب الوفد.
تحية لكل من نافس بشرف.
وتحية لمصر…
حين تتعلم من الوفد كيف تكون السياسة جديرة بالاحترام.