بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

رؤية حرة

الحلم كيلو لحمة!

لو سألتني عنهم لأخبرتك أنهم متعبون؛ يمشون على الأرض في هدوء، لا يطلبون رفاهية أو يرفعون سقف الأحلام، فقط يبحثون عن غطاء الستر، كي تمر الأيام دون أن تثقل كاهلهم أكثر، إنهم ملح الأرض، من يكابدون لقمة العيش ويعملون بالحلال في مهن بسيطة، سعيًا وراء رزق شريف وسط زحام الحياة،  شريحة واسعة ترزح تحت مقصلة ارتفاع الأسعار، ولا يمكن اختزال شكواها في كلمات عابرة أو دعوتها إلى الصبر والسلوان، بينما ترى حولها آخرين لا يعرفون ضيق اليد، في وقت يُحاصر فيه واقعها بالالتزامات وتوفير متطلبات الأبناء بشق الأنفس.

لقد قادني حظي العاثر إلى الجلوس بجوار أحد الباعة على الأرض؛ أشتري منه وأستمع إلى حكايته، بدأ الحديث عن ارتفاع الأسعار، والعجز عن توفير المأكل والملبس للأولاد، فضلًا عن مونة البيت التي باتت عبئًا ثقيلًا، وفجأة نظر إليّ وقال: «تصدق بالله.. الواحد بيحلم يشتري كيلو لحمة للعيال»، ضحكتُ على استحياء، لا استخفافًا، بل هروبًا من مواجهة عينيه، وهو يكاد يبكي من شدة الضغوط وكثرة طلبات البيت وزنّ أم العيال الذي لا ينتهي، عرضت عليه مساعدة، فرفض في هدوء موجع: «تحسبهم أغنياء من التعفف».

لا يمكن إنكار أننا بدأنا برنامج إصلاح اقتصادي منذ عام 2016، وكان لابد للدولة أن تخوضه للنجاة من اختلالات عميقة، لكن الحقيقة التي لا يجوز تجاهلها أن كلفة هذا الإصلاح وقعت بثقلها على قطاعات واسعة من المواطنين؛ شرائح كانت تكفي احتياجاتها الأساسية، باتت اليوم تعيش بالكاد، وقصة «كيلو اللحمة» ليست حالة فردية، وإنما عنوان لمعاناة أوسع لا تصل دائمًا إلى العلن، وبين الأزقة والدروب حكايات تكفي لأن تشيب لها الرؤوس.

أعلم أن هناك مؤشرات لصندوق النقد الدولي برفع توقعاته لنمو الاقتصاد المصري في عام 2026 إلى 4.7%، لكن الحقيقة لا تُقاس بالأرقام فقط، بل تُقرأ في وجوه الناس وحكاياتهم.. شاب أو رجل في منتصف العمر، موظف أو تاجر صغير، لا يريد معجزة، بل يطلب فقط أن يكون لعمله ثمن، كان يحلم ببيت بسيط وتعليم أفضل لأبنائه وحياة آمنة مع زوجته، واليوم تقلصت أحلامه إلى أقساط ومصروفات منزل وفواتير وسعر دواء، وإلى راتب لا يصمد حتى منتصف الشهر.

صحيح أن الإصلاح الاقتصادي عملية تراكمية طويلة الأمد، تتطلب مضاعفة الجهود وتعزيز ركائز القوة في الاقتصاد المصري، بما يضمن انتقال مكتسبات كل مرحلة إلى الأجيال اللاحقة، إلا أن ترجمة هذه الرؤية إلى نتائج ملموسة تضع على عاتق الحكومة المقبلة تحديات جسيمة، في مقدمتها إعداد برنامج متكامل يستهدف دعم وخفض الأسعار وتقليص حدة التفاوت الاجتماعي.

المطلوب الآن، وبشكل عاجل، دعم الفئات الأكثر احتياجًا وضمان وصول السلع الأساسية إليهم بأسعار مخفضة، بالطبع هناك منافذ حكومية وجمعيات تعمل بشكل يستحق الثناء لتخفف العبء نسبيًا، لكنها لا تزال غير قادرة على الوصول إلى الجميع، فالمحتاجون في المناطق الشعبية كُثر، وفي القلب منهم من يقطنون القرى أو الريف، وينتظرون أن يلمسوا أثر الصبر في حياتهم ويتذوقوا ثمار الإصلاح الاقتصادي، وألا يظل وعدًا مؤجلًا، هؤلاء يحبون هذا الوطن بصدق، ولا يتحملون الإساءة إليه، لكن حبهم وحده لا يسد جوعًا، وهم في حاجة إلى رسالة طمأنة تؤكد أن صبرهم لم يذهب هباءً.

إن المواطن لن يشعر بتحسن حقيقي طالما ظل عاجزًا عن توفير احتياجاته الأساسية؛ فالإحساس بتلبية المتطلبات لا تصنعه مؤشرات تُعلن، وإنما القدرة على مجاراة الأسعار وتأمين احتياجات البيت دون صراع يومي، خاصة أن قطاع كبير من الناس لا يعيش داخل الجداول والإحصاءات، بل في واقع يُقاس بما يدخل الجيوب الخاوية، فسقوط غطاء الستر أمر جلل، ويكشف الحقيقة كاملة، حلم واحد من الناس.. كيلو لحمة!.