النظام العالمي الجديد
يشهد النظام الاقتصادي الدولي تحوّلًا لافتًا في موازين الشراكات والتحالفات، حيث اتجهت دول أوروبية كبرى ومعها كندا إلى إبرام اتفاقات اقتصادية وتجارية واسعة مع كلٍّ من الصين والهند، في مسار يعكس تراجع الاعتماد التقليدي على الولايات المتحدة الأميركية بوصفها الشريك الاقتصادي الأوحد أو المهيمن. هذا التحوّل لا يمكن فهمه بمعزل عن المتغيرات السياسية والاقتصادية التي عصفت بالعالم خلال العقد الأخير، وفي مقدمتها السياسات الحمائية والتقلبات الحادة في الموقف الأميركي من التجارة العالمية.
إذ أن أوروبا، التي بنت ازدهارها بعد الحرب العالمية الثانية على الانفتاح والتجارة متعددة الأطراف، وجدت نفسها أمام شريك أميركي بات أقل التزامًا بقواعد السوق الحر وأكثر ميلًا لاستخدام الاقتصاد كسلاح سياسي. فالرسوم الجمركية، والتهديد بالعقوبات، والضغط على الحلفاء الأوروبيين في ملفات التسلّح والصناعة والطاقة، كلها عوامل دفعت الاتحاد الأوروبي إلى البحث عن بدائل استراتيجية تضمن له الاستقرار والنمو.
في هذا السياق، برزت الصين كشريك لا يمكن تجاهله، ليس فقط بحكم حجم سوقها، بل لقدرتها على استيعاب الاستثمارات الأوروبية وتقديم فرص ضخمة في مجالات الصناعة، والبنية التحتية، والتكنولوجيا وغيرها من المجالات الحيوية.
أما الهند، فقد ظهرت كخيار مكمّل لا يقل أهمية. فمع تسارع نموها الاقتصادي واتساع قاعدتها الاستهلاكية، أصبحت مقصدًا جذابًا للشركات الأوروبية والكندية الباحثة عن تنويع الاستثمارات بعيدًا عن السوق الأميركية. كما أن الهند تقدّم نفسها كنموذج أقل تصادمية من الصين، وأكثر قدرة على التأقلم مع المصالح الغربية، ما جعلها شريكًا استراتيجيًا في سلاسل التوريد الجديدة. لأن كندا بدورها، ورغم قربها الجغرافي والاقتصادي من الولايات المتحدة، أدركت مخاطر الاعتماد المفرط على السوق الأميركي. ومن ثمّ، عملت على توسيع شبكة اتفاقاتها التجارية مع آسيا، خصوصًا مع الصين والهند، لضمان استقلالية نسبية وحماية اقتصادها من أي تقلبات أو صدمات سياسية مصدرها واشنطن.
في جوهرها، لا تعبّر هذه التفاهمات عن قطيعة كاملة مع الولايات المتحدة، بل عن إعادة توازن محسوبة. فالعالم يتجه نحو تعددية اقتصادية لا تحتكرها قوة واحدة، بل تتوزع بين أقطاب متعددة. وهكذا، لم تعد أوروبا وكندا تعلّق مصيرها ببديل واحد، بل اختارتا تنويع الشراكات، في إشارة واضحة إلى أن زمن الهيمنة الاقتصادية الأحادية قد شارف على نهايته، لصالح نظام عالمي أكثر تعقيدًا وتعددًا في مراكزه.
خلاصة القول إن ما نشهده ليس مجرّد تحوّل في بوصلة التجارة الدولية، بل إعادة صياغة هادئة لمعادلة القوة الاقتصادية العالمية. فحين اختارت الولايات المتحدة سياسة الضغط والترهيب وعدم اليقين، أعادت الدول ترتيب أولوياتها بحثًا عن التوازن والاستقرار. وهكذا برزت الصين والهند كخيارين واقعيين، لا لأنهما بديلان مثاليان فحسب، بل لأن النظام الدولي بات يُعاقب الاندفاع ويكافئ من يوفّر الاستدامة والقدرة على التكيّف.