بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

الذكاء الاصطناعي في العالم العربي

التحولات العالمية المتسارعة في السنوات الأخيرة رفعت الذكاء الاصطناعي إلى مركز الاهتمام الدولي، بوصفه القوة المحركة والمتحكمة بآليات الاقتصاد المعاصر. وفيما تتقدّم الولايات المتحدة والصين بخطوات واسعة في هذا السباق، بدأت دول عربية عدة في خوض مسار يقوم على بناء رؤية استراتيجية تطمح إلى إيجاد موقع مؤثر في المشهد الدولي. ومع أنّ الطريق لا يخلو من التحديات، فإن البدايات العربية تكشف عن إدراك متزايد بأن مستقبل التنمية لن يُكتب إلا لمن يتقن لغة الذكاء الاصطناعي.
تجربة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية تمثل نموذج لافت في التعامل مع التحوّل الرقمي، وتدخل المنطقة في قلب التحوّل التكنولوجي الدولي. فمنذ إطلاق الإمارات لوزارة متخصصة بالذكاء الاصطناعي واستراتيجيتها الوطنية الممتدة حتى عام 2031، اتخذ هذا القطاع وضعية متقدمة داخل خطط الدولة، إذ أصبح جزءاً من مشروع واسع يسعى إلى إعادة بناء البنى المؤسسية على أسس رقمية حديثة تشمل التعليم والصحة والنقل. وفي سياق متقارب مع المسار الإماراتي، تنظر السعودية إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره أحد محركات رؤيتها 2030، باعتباره جزءاً من تحوّل اقتصادي طويل المدى يسعى إلى إعادة صياغة مفهوم الإنتاج والابتكار.
إلى جانب هذه السياسات الشاملة، بدأت المشروعات الكبرى في المنطقة في دمج الذكاء الاصطناعي داخل بنائها التخطيطي، كما يظهر في مشروع نيوم الذي يشكّل مختبراً مفتوحاً لتجريب أنماط معيشية تعتمد على الإدارة الرقمية والأنظمة الذكية. وتتحرك دبي في اتجاه مماثل بإنشائها مراكز متخصصة تسعى إلى إعادة تشكيل قدرات القطاع الحكومي وتطوير بيئة أكثر استجابة للتحولات التكنولوجية السريعة. وفي الوقت ذاته، بدأت المؤسسات الأكاديمية العربية في تطوير مسارات بحثية جديدة في مجالات الذكاء الاصطناعي والعلوم المتقدمة، عبر برامج جامعية ومراكز بحث متخصصة تعمل على ربط المعرفة النظرية بالتطبيق العملي وإنتاج حلول يمكن أن ترفد الاقتصاد بمشروعات ذات قيمة.
ومع ذلك، لا تزال المنطقة تواجه اختبارات معقدة. فالنقص الملحوظ في الكفاءات المتخصصة يجعل عملية التحوّل أبطأ مما يجب، كما أن البيئة البحثية في كثير من الدول العربية لا تزال محدودة مقارنة بما يجري في الاقتصادات الأكثر تقدماً، حيث تُعد وفرة البيانات وجودتها عنصراً حاسماً في تطوير الأنظمة الذكية. ومع غياب أطر تنظيمية واضحة في بعض الدول، تتشكل فجوة تشريعية تؤخر إدماج الذكاء الاصطناعي في القطاعات الحيوية، وتحد من قدرة الحكومات على تنظيم هذا الحقل بما يضمن فعاليته وأمانه.
غير أنّ هذه التحديات لا تطمس حقيقة أساسية، وهي أنّ المنطقة العربية تمتلك طاقة شبابية هائلة يمكن أن تتحول، إذا وجدت البيئة المناسبة، إلى قوة دفع قادرة على خلق مسارات جديدة للمعرفة. كما أن موجة الرقمنة الحكومية التي تتوسع عاماً بعد عام تفتح مجالاً رحباً لتطبيق التقنيات الذكية داخل المؤسسات. وفي ظل الانفتاح العالمي المتزايد على الشراكات العابرة للحدود، تبدو الفرصة سانحة أمام العالم العربي للانخراط في مشاريع بحث رفيعة المستوى وشراكات صناعية يمكن أن تضعه في موقع أكثر فاعلية داخل الاقتصاد الرقمي العالمي.
ما تؤكده جميع المعطيات هو أن الذكاء الاصطناعي أصبح ركناً مركزياً في صياغة وتشكيل مستقبل اقتصادي مستدام. وإذا ما أرادت المنطقة العربية مواكبة التحولات الجارية على الساحة الدولية، فإن عليها أن تضع الاستثمار في التعليم المتقدم وتطوير الأبحاث وتهيئة البيئة التشريعية ضمن أولوياتها الوطنية الرئيسية. التأخر عن هذا المسار سيجعل الكثير من الدول خارج معادلة القوة التي يعاد تشكيلها اليوم أمام أعين العالم.
ومع اتساع التداخل بين التطورات العلمية والتحولات الجيوسياسية، يبرز أمام الحكومات وصنّاع القرار في العالم العربي تحدٍّ يتجاوز فكرة مواكبة التكنولوجيا. المطلوب اليوم هو إعادة تعريف الدور الاستراتيجي للمنطقة وتأسيس علاقة جديدة مع المعرفة، علاقة تجعل الذكاء الاصطناعي أساساً لفضاء يمكن أن تنشأ فيه إمكانات حقيقية لنهضة حضارية قائمة على الابتكار والإبداع.