بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

من طفل يتسابق على الميكروفون إلى شيخ يصنع جيلًا.. تاريخ الحضرة العلوانية الخلوتية في بلبيس

بوابة الوفد الإلكترونية

في مقر المشيخة العلوانية بمدينة بلبيس بمحافظة الشرقية، لا تبدو الحضرة الأسبوعية مجرد مجلس ذكر تقليدي، بقدر ما تبدو تجربة روحية وتربوية متكاملة، تتداخل فيها الأبعاد الدينية والإنسانية والاجتماعية.

داخل القاعة، يجلس الأطفال إلى جوار الشباب وكبار السن، في مشهد يعكس امتداد التصوف عبر الأجيال، حيث لا يُنظر إلى الحضرة باعتبارها نشاطًا خاصًا بفئة عمرية بعينها، وإنما باعتبارها مساحة جامعة لكل من يبحث عن الصفاء والطمأنينة.

الطفل آدم، البالغ من العمر قرابة 11 عامًا، يجلس بين أقرانه، يتابع مجريات الحضرة بانتباه واضح، ثم لا يلبث أن يرفع يده متسابقًا مع زملائه للإمساك بالميكروفون، ليتلو الورد القرآني والأذكار الخاصة بالطريقة العلوانية الخلوتية، في مشهد يعكس كيف تبدأ التربية الصوفية منذ الصغر، وتتحول الحضرة إلى مدرسة عملية لغرس القيم الدينية والسلوكية.

الحضرة التي تعقدها الطريقة العلوانية الخلوتية تُقام مرة واحدة أسبوعيًا عقب صلاة العشاء مباشرة، داخل مقر المشيخة، وتستغرق ما بين 60 إلى 90 دقيقة، ويشرف عليها ويقودها الدكتور محمود مالك علوان، شيخ السجادة العلوانية وعضو المجلس الأعلى للطرق الصوفية، الذي يحرص على أن تظل الحضرة ملتزمة بضوابط الشرع ومقاصد التصوف الصحيح.

ويقول الدكتور محمود مالك علوان إن الحضرة في جوهرها ليست تجمعًا شكليًا أو طقسًا عابرًا، وإنما حالة من حضور القلب مع الله، تتحقق من خلال الذكر وتلاوة القرآن والدعاء، موضحًا أن الحضرة تمثل في التصوف مدرسة لتزكية النفس وتهذيب السلوك وتجديد الصلة بالله، بعيدًا عن صخب الحياة وضغوطها اليومية.

ويضيف أن الطريقة العلوانية الخلوتية تعتمد أورادًا وأذكارًا خاصة، مستمدة من القرآن الكريم والسنة النبوية، مع التركيز على الذكر الحسي المرتبط بأوقات اليوم والليلة، بداية من قيام الليل، مرورًا بصلاة الفجر والشروق، ثم أذكار الغروب، وصولًا إلى أذكار ما بعد صلاة العشاء، بما يساعد المريد على تنظيم يومه روحيًا وربط عبادته بإيقاع الزمن.

وفي سياق متصل، يؤكد شيخ السجادة العلوانية أن اهتمام الطريقة بالأطفال يمثل أحد أعمدتها الأساسية، موضحًا أن المشيخة لا تكتفي بمشاركتهم في الحضرة، بل تعمل على بناء شخصيتهم الدينية والأخلاقية، من خلال برامج تربوية مصاحبة، تشمل تنظيم رحلات ترفيهية وترويحية لأبناء الطريقة، تهدف إلى الترويح عن النفس وتعزيز روح الجماعة والانتماء.

ويشير علوان إلى أن اختيار المشاركين في هذه الرحلات يتم وفق معايير تربوية واضحة، من خلال اختبارات في حفظ القرآن الكريم والسنة النبوية، إلى جانب مدى الالتزام بالحضرة والأوراد، وحسن الخلق والسلوك، مؤكدًا أن الهدف ليس التنافس بقدر ما هو تشجيع الأطفال على الالتزام والانضباط وغرس القيم الإنسانية في نفوسهم منذ الصغر.

ويستعرض شيخ السجادة العلوانية الإرث الروحي للطريقة، موضحًا أن السجادة انتقلت إليه عن طريق السلسلة العلوانية، حيث تلقاها عن والده الراحل المستشار القاضي مالك علوان، والذي أخذها بدوره عن والده نائب الأمة الشيخ محمد علوان وعبر مئات السنين، في امتداد يجمع بين العلم الشرعي والتربية الصوفية والعمل العام وخدمة المجتمع.

وتتخلل الحضرة إلى جانب الذكر وتلاوة القرآن دروس دينية قصيرة، وتوجيهات تربوية وسلوكية، تُقدَّم بأسلوب مبسط يناسب مختلف الأعمار، وسط مشاركة واسعة من الأطفال والشباب والفتيات والسيدات، إلى جانب رجال من متوسطي العمر وكبار السن، في صورة تعكس الطابع الجامع للحضرة الصوفية.


ولا تنتهي الحضرة بانتهاء الذكر، إذ تحرص المشيخة العلوانية على تقديم مشروبات متنوعة للمشاركين طوال المجلس، وتُختتم الليلة بوجبة عشاء ساخنة، في مشهد يعكس قيم الكرم والتكافل، ويحوّل الحضرة إلى لقاء إنساني واجتماعي بقدر ما هو روحي.

وبالنسبة للحاضرين، تبدو الحضرة وكأنها جلسة روحانية أسبوعية، تعيد للنفس البشرية توازنها، وتمنح المشاركين طاقة معنوية تساعدهم على الاستعداد لنهاية الأسبوع، واستقبال أسبوع جديد بقلوب أكثر صفاءً وطمأنينة.