بوابة الوفد الإلكترونية
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس التحرير
عاطف خليل
المشرف العام
ياسر شوري

ناسا تختبر الذكاء الاصطناعي على المريخ لأول مرة عبر مركبة بيرسيفيرانس

بوابة الوفد الإلكترونية

طفي خطوة تعكس التحول المتسارع في اعتماد الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات العلمية الكبرى، أعلنت وكالة الفضاء الأمريكية ناسا عن استخدام نموذج لغوي ذكي لتخطيط مسار إحدى مركباتها الجوالة على سطح المريخ، في سابقة تُعد الأولى من نوعها في تاريخ استكشاف الفضاء. التجربة جرت باستخدام نموذج «كلود» المطوّر من شركة أنثروبيك، والذي شارك فعليًا في رسم طريق سير مركبة بيرسيفيرانس داخل فوهة جيزيرو الشهيرة.

منذ هبوطها على الكوكب الأحمر عام 2021، حققت مركبة بيرسيفيرانس عددًا من الإنجازات اللافتة، أبرزها تسجيل أول أصوات قادمة من سطح المريخ وجمع عينات صخرية يُنتظر أن تعود إلى الأرض مستقبلًا. لكن الإنجاز الجديد يحمل بعدًا مختلفًا، إذ لا يتعلق بالاكتشافات العلمية المباشرة بقدر ما يرتبط بكيفية إدارة هذه المهمات نفسها، ومدى اعتماد البشر على أدوات ذكية لتسهيل قرارات شديدة التعقيد.

خلال الفترة من 8 إلى 10 ديسمبر الماضي، قطعت بيرسيفيرانس مسافة تقترب من 400 متر وسط منطقة صخرية صعبة داخل فوهة جيزيرو، وذلك وفق مسار قام نموذج كلود بتخطيطه مسبقًا. ورغم أن المسافة قد تبدو محدودة بمقاييس الأرض، فإن أي تحرك على سطح المريخ يُعد عملية شديدة الحساسية، حيث يمكن لخطأ بسيط في التقدير أن يؤدي إلى انزلاق المركبة أو تعطلها بشكل دائم.

عادةً ما يعتمد فريق ناسا على تخطيط يدوي دقيق لمسارات المركبات الجوالة، من خلال ما يُعرف بنقاط التوجيه أو “فتات الخبز”، وهي سلسلة من الإحداثيات الصغيرة التي تُرسم بعناية اعتمادًا على صور الأقمار الصناعية والكاميرات المثبتة على المركبة نفسها. هذه العملية تستغرق وقتًا طويلًا وتتطلب مراجعات متعددة لتجنب المخاطر المحتملة.

لاستخدام الذكاء الاصطناعي في هذه المهمة، كان على ناسا تزويد نموذج كلود بكم هائل من البيانات التراكمية التي جُمعت على مدار سنوات من تشغيل بيرسيفيرانس. لم يكن الأمر مجرد إدخال أمر واحد، بل عملية تفاعلية طويلة بدأ فيها النموذج بتقسيم المسار إلى مقاطع قصيرة، ثم تقييم كل جزء وإعادة تعديله قبل الانتقال إلى الجزء التالي.

ورغم هذا التقدم، لم تتخلَّ ناسا عن دور العنصر البشري. فقد خضع المسار الذي اقترحه كلود لمراجعة دقيقة من مهندسي مختبر الدفع النفاث التابع للوكالة، حيث تم اختبار الأوامر داخل محاكاة رقمية تُستخدم يوميًا قبل إرسال أي تعليمات فعلية إلى المركبة. وبحسب ناسا، لم تتطلب الخطة سوى تعديلات طفيفة، كان أحدها نتيجة امتلاك الفريق صورًا أرضية لم تكن متاحة للنموذج أثناء التخطيط.

وترى الوكالة أن الاستفادة الأساسية من هذه التجربة تكمن في تقليص الوقت اللازم لتخطيط المسارات إلى النصف تقريبًا، ما يمنح الفرق العلمية فرصة لتنفيذ عدد أكبر من التحركات وجمع المزيد من البيانات دون استنزاف الموارد البشرية. هذا العامل يكتسب أهمية خاصة في ظل التحديات التي تواجه ناسا مؤخرًا، بعد تقليص أعداد العاملين وتأثر ميزانيات البرامج العلمية خلال السنوات الماضية.

في المقابل، تمثل هذه الخطوة إنجازًا مهمًا لشركة أنثروبيك، التي تطور نموذج كلود. فقبل أقل من عام، كان النموذج يواجه صعوبات في التعامل مع مهام بسيطة نسبيًا، بينما بات اليوم قادرًا على المساهمة في تخطيط مسار مركبة تتحرك على كوكب يبعد ملايين الكيلومترات عن الأرض.

وتؤكد ناسا أن هذه التجربة لا تعني تسليم القيادة الكاملة للذكاء الاصطناعي، بل تمثل بداية لاختبار أدوات مساعدة يمكن أن تلعب دورًا أكبر مستقبلًا، خصوصًا في المهمات البعيدة التي تتطلب قدرًا أعلى من الاستقلالية. وفي حال نجاح هذه المقاربة، قد تصبح الأنظمة الذكية عنصرًا أساسيًا في استكشاف مناطق أبعد داخل النظام الشمسي، حيث يصبح التدخل البشري المباشر أكثر صعوبة.

بهذا الإنجاز، لا يقتصر استخدام الذكاء الاصطناعي على الأرض أو التطبيقات التجارية، بل يمتد إلى الفضاء، فاتحًا بابًا جديدًا لكيفية تعامل البشر مع الاستكشاف العلمي في العقود المقبلة.