دار الإفتاء المصرية تحذر دور النشر من استغلال مؤلفات الباحثين دون إذن
في فتوى حاسمة تزامنت مع التطور التقني الهائل في صناعة النشر، أصدرت دار الإفتاء المصرية بياناً شديد اللهجة يحظر على دور النشر والمراكز البحثية استغلال المصادر والمؤلفات الموجودة على أجهزتها الرقمية دون الحصول على إذن صريح من أصحابها.
وأكدت الدار أن هذا التصرف لا يعد مجرد خطأ مهني، بل هو "جريمة قانونية ومعصية شرعية" تندرج تحت باب أكل أموال الناس بالباطل.
العلاقة بين المؤلف ودار النشر
أوضحت دار الإفتاء أن طبيعة العلاقة بين الباحث أو المؤلف وبين دار النشر التي تقوم بتنسيق وإخراج كتابه هي علاقة "إجارة على عمل"، فالدار بمثابة "الأجير" الذي يُدفع له عوض مادي مقابل خدمات محددة (كالنسخ الرقمي، التنسيق الفني، والطباعة).
واستدلت الدار على مشروعية هذه الإجارة بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، مؤكدة أن الإجارة عقد على منفعة معلومة، ولا يجوز للأجير (دار النشر) أن يتجاوز حدود هذا العقد بالاستيلاء على مادة العمل أو إعادة استخدامها لصالحها دون وجه حق.
هل الفكر "مال"؟.. حقوق الملكية في ميزان الفقهاء
أصلت الفتوى لمفهوم "المال" في العصر الحديث، مؤكدة أن إنتاج العقول من كتب ومصنفات هو "مال متقوم" شرعاً يجوز تملكه والمعاوضة عليه. واستعرضت آراء المذاهب:
المالكية: هو ما يتمول في العادة ويجوز أخذ العوض عنه.
الشافعية والحنابلة: يشمل الأعيان والمنافع المباحة.
وبناءً عليه، فإن الاعتداء على "الإبداع" كالاعتداء على "المتاع"؛ فكما يُحرم سرقة العقار، يُحرم سرقة الأفكار والمؤلفات، وقد وصف الإمام ابن القيم هؤلاء بـ "السُّرّاق بأقلامهم".
موقف القانون المصري: حماية تمتد لـ 50 عاماً
لم تكتفِ الفتوى بالتأصيل الشرعي، بل عضدت موقفها بنصوص قانون حماية حقوق الملكية الفكرية رقم 82 لسنة 2002، والذي يمنح المؤلف حقوقاً أدبية ومالية استئثارية:
حقوق أبدية: حق نسبة المصنف للمؤلف ومنع تشويهه لا تسقط بالتقادم.
حماية ممتدة: تظل الحقوق المالية للمؤلف سارية طوال حياته ولمدة 50 عاماً بعد وفاته.
حظر الاستغلال: لا يجوز لدار النشر أو غيرها تداول أو اقتباس مقتطفات إلا بالإشارة للمصدر واسم المؤلف، وبشرط عدم حظر المؤلف لذلك.
مفاسد الاعتداء على الجهد العلمي
حذرت دار الإفتاء من أن حقوق العباد مبنية على "المُشاحّة والمطالبة"، أي أنها لا تسقط بالتقادم ولا تُغتفر إلا بتنازل أصحابها. وشددت على أن استغلال دور النشر للمصادر المخزنة لديها دون إذن يؤدي إلى:
- تضييع جهود الباحثين الذين بذلوا الفكر والمال والوقت.
- إلحاق الضرر المادي بقطاع التأليف والنشر.
الوقوع في فخ "الفسق" بأخذ ما يقع عليه اسم مال بغير حق، لقول النبي ﷺ: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ».
انتهت دار الإفتاء المصرية إلى أن استفادة دور النشر من المصادر والمؤلفات المودعة لديها لأغراض التنسيق، واستغلالها في أعمال أخرى دون إذن أصحابها، هو أمر محرم شرعاً ومجرم قانوناً.
وناشدت المؤسسات بضرورة تحري الأمانة العلمية والقانونية، والالتزام بعقود الإجارة المبرمة، صوناً لحقوق المبدعين وحفظاً لمقاصد الشريعة في حماية المال.